الأكثر مشاهدة

“حياة في الإدارة ”، كتاب فريد في نوعه وطريقة سبكه، فهو سيرة ذاتية سلطت الضوء على الجانب الإداري من حياة المؤلف، وهي التي، أي السيرة، كانت ح...
اسم الكتاب :  صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي تأليف :  صموئيل هنتنغتون ملخص الكتاب :  صموئيل هنتنغتون هو أستاذ العلوم السياسي...
اسم الكتاب :  صديقي لا تأكل نفسك تأليف :  عبد الوهاب مطاوع ملخص الكتاب : الكتاب يقع في 114 صفحة من القياس المتوسط وهو مجموعة مقالات ...
اسم الكتاب :  ثروة الأمم تأليف :  ادم اسمث ملخص الكتاب : إن العمل السنوي لكل أمة هو رأس المال الرصيد الذي يمدها أصلاً بنا تستهلكه هذه ...
اسم الكتاب :  لماذا نصلي؟ تأليف :  محمد اسماعيل المقدم ملخص الكتاب :  لماذا نصلي؟ هل سبق و سألت نفسك هذا السؤال؟ ولو سبق و فعلت فهل اس...
اسم الكتاب :  صديقي ما أعظمك تأليف :  عبد الوهاب مطاوع ملخص الكتاب :  بدءًا من عنوانه ومرورًا بما تحتويه ثناياه من تجارب واقعية ومواقف...

رواية ما بعد الظلام

"‬ما بعد الظلام‮" ‬هي الرواية السادسة والأحدث التي تُترجم إلي اللغة العربية للكاتب الياباني‮ "‬هاروكي موراكامي‮"‬،‮ ‬ولا شك أن محبّي‮ "‬موراكامي‮" ‬ينتظرون بلهفة أن تُترجم له إحدي رواياته الأخيرة‮ ‬،‮ ‬لكن هذا لن‮ ‬يمنعهم من الولوج إلي عوالمه عبر هذه الرواية التي بين أيدينا‮.‬

تنطلق الرواية بنظام الفواصل الزمنية،‮ ‬علي مدار سبع ساعات،‮ ‬في شخصيات تجوب ليل‮ "‬طوكيو"؛ حاملة معها ما هو أكثر من الأرق والأسرار‮. "‬تتسويا تكاهاشي‮"‬،‮ ‬عازف ترومبون،‮ ‬له طبيعة مسالمة،‮ ‬يحمل اسماً‮ ‬عادياً،‮ ‬يعزف علي آلة‮ ‬غير شعبية،‮ ‬يتساءل متهمكاً‮ ‬إذا ما كان عازفو الروك قد حققوا شهرتهم عبر تكسير آلات الترومبون علي المسرح أمام المستمعين‮. ‬لا شيء‮ ‬يميزه سوي نحافته‮ ‬غير الطبيعية وعشقه للحليب وكعك السمك‮.‬

يسعي‮ "‬تكاهاشي‮" ‬إلي مد جسور الحوار مع‮ "‬ماري إساي‮"‬؛ الشقيقة الصغري لزميلته الدراسية‮ "‬إيري‮" ‬واللتين خرج معهما في موعد منذ أربع سنوات،‮ ‬يذكر أمام‮ "‬ماري‮" ‬تفاصيل شديدة الصغر مثل تناولها في هذا الموعد آيس كريم بالخوخ والتوت،‮ ‬وصمتها طيلة الوقت،‮ ‬وعدم الاهتمام بمظهرها وجمالها مقارنة بشقيقتها‮ "‬إيري‮"‬؛ التي ظهرت صورها في عدد من مجلات المراهقين،‮ ‬كنجمة للأناقة والجمال‮.‬

يفتح لنا‮ "‬موراكامي‮" ‬من هذا الخيط،‮ ‬تنويعات متشعبة للمزيد من الشخصيات الليلية‮: "‬كاورو‮" ‬التي تدير  فندقاً‮ ‬للعشاق بعد أن اعتزلت لعب المصارعة النسائية في شبابها،‮ "‬شيراكاوا‮" ‬الرجل الأنيق المتزوج الذي‮ ‬يضطره عمله للتأخر ساعات في حلكة الليل،‮ ‬لا‮ ‬يبدو علي هذه الشخصية ما‮ ‬يوحي بأنه سيضرب عاهرة صينية في فندق للعشاق قبل أن‮ ‬يسرق نقودها ويفر،‮ ‬لكن هذا هو ما فعله بالضبط،‮ ‬و"كوروجي‮" ‬التي تعمل بهذا الفندق،‮ ‬وتتخفي تحت اسم مستعار هرباً‮ ‬من أناس‮ ‬يطاردونها وأبعدوها عن أسرتها ومدينتها‮.‬

ينسج‮ "‬موراكامي‮" ‬قصص أبطاله في إطار من الواقعية السحرية‮. ‬في الواقع،‮ ‬لا تبدو كلمة‮ "‬الواقعية السحرية‮" ‬ملائمة تماماً‮ ‬لخلطة‮ "‬موراكامي‮"‬،‮ ‬إذ أنه لا‮ ‬يسعي إلي استحضار عناصر فانتازية في سياق الواقع لبلورة أحداث تتناغم مع‮ ‬غلاف رقيق من السحر،‮ ‬بل إنه علي العكس،‮ ‬يسعي إلي رسم أبعاد العالم الميتافيزيقي كعالم موازٍ‮ ‬للواقع،‮ ‬لا‮ ‬يتداخلان ولا‮ ‬يتأثران إلا في نقاط تماسٍ‮ ‬تنفرج بشكل‮ ‬غير ملحوظ خلال ظلمة منتصف الليل وحتي انبلاج الصباح‮. ‬

لدينا مثلاً‮ "‬إيري إساي‮"‬،‮ ‬أو سنووايت كما تسميها أختها‮ "‬ماري‮". ‬منذ شهرين،‮ ‬وبينما كانت تتعشي مع عائلتها،‮ ‬أخبرتهم أنها بحاجة إلي النوم‮. ‬دلفت لتنام في‮ ‬غرفتها ولم تستيقظ إلي الآن‮. ‬لم تسقط في‮ ‬غيبوبة،‮ ‬ومؤشراتها الحيوية تبدو علي‮ ‬يرام،‮ ‬وأي أكل‮ ‬يدخل إلي‮ ‬غرفتها‮ ‬يختفي في اليوم التالي؛ فلا تحتاج إلي تغذية وريدية‮. ‬هي بالتأكيد تصحو من نومها لدقائق كي تمارس ما‮ ‬يحفظ لها حياتها إلي الحد الأدني‮. ‬لم‮ ‬يجد طبيب الأعصاب تفسيراً‮ ‬واقعياً‮ ‬لهذا النوم الساكن المتواصل الذي لا نظير له،‮ ‬بينما قال الطبيب النفسي بأنها إذا كانت تحتاج إلي النوم فمن الأفضل ألا تتجه أسرتها إلي إيقاظها بالقوة،‮ ‬هي فقط لا ترغب في الاستيقاظ‮.‬

أين تذهب‮ "‬إيري‮"‬؟ لم تعد شقيقتها‮ "‬ماري‮" ‬تحتمل أن تجلس في المنزل،‮ ‬لذلك تتجه صوب الشوارع المفتوحة في الليل حتي‮ ‬يهدها التعب في الصباح؛ تتذكر في الماضي عندما انقطع الكهرباء عن المصعد في طفولتهما،‮ ‬لم تكن قد أكملت الخامسة من عمرها بعد،‮ ‬ووجدت نفسها محاصرة في ظلام دامس،‮ ‬وذعرها‮ ‬يمنع صوتها من الخروج،‮ ‬بينما كانت‮ "‬إيري‮" ‬محبوسة معها في المصعد،‮ ‬كانت تكبرها بسنة واحدة إلا أنها تصرفت كالبالغين،‮ ‬احتضنتها حتي صارا جسداً‮ ‬واحداً،‮ ‬هذه اللحظة من القرب التي لم تجربها مع شقيقتها بعد ذلك أبداً،‮ ‬هذه اللحظة من القرب التي تتمني أن تمنحها لشقيقتها حتي تستيقظ من سباتها‮.‬

قد‮ ‬يظن البعض أن بعضاً‮ ‬من‮ "‬لا جدوي الوجود‮" ‬يكتنف الرواية‮. ‬لا أري ذلك‮. ‬لا تبحث شخوص الرواية عن مسببات ونتائج،‮ ‬ولا‮ ‬يحاولون تبرير‮ "‬اللامنطق‮" ‬الذي‮ ‬يملأ العالم‮. ‬كل الشخوص تبدو متجاوزة لهذه الأسئلة الوجودية،‮ ‬هناك قدر كبير من الهشاشة‮ ‬يحيط بالزمن الذي‮ ‬يتحركون فيه،‮ ‬هذه الهشاشة تنعكس في روتينهم وتآلفهم معه‮. ‬بينما‮ ‬يشير الكاتب إلي توقيت الساعة بمنتهي الصرامة علي طول الرواية،‮ ‬فإن شخوصه تفعل العكس بالضبط‮: ‬

‮" ‬يوشك النهار الجديد أن‮ ‬يطلع،‮ ‬ولكن النهار القديم لم‮ ‬يزل‮ ‬يجرجر أذياله الثقيلة‮. ‬ومثلما تُصارع مياهُ‮ ‬المحيط مياهَ‮ ‬النهر عند المصب،‮ ‬فهكذا‮ ‬يتصادم الزمن القديم والزمن الجديد ويمتزجان‮. ‬وليس بمقدور تكاهاشي أن‮ ‬يحدد علي وجه اليقين في أي جانب وأي عالم‮ ‬يوجد مركز جاذبيته‮".‬

تحدث تكاهاشي في الرواية عن رغبته في دراسة القانون،‮ ‬عن المحاكمات التي حضرها والتي أشعرته بأن هناك جداراً‮ ‬ورقياً‮ ‬رقيقاً‮ ‬يفصل بين الناس الطبيعيين وبين المجرمين،‮ ‬عن الكائن البحري؛ أخطبوط عملاق‮ ‬يمتلك أذرعاً‮ ‬طويلة‮ ‬يسيطر بها علينا جميعاً،‮ ‬قد‮ ‬يسميه البعض‮ "‬نظاماً‮" ‬أو‮ "‬دولة‮"‬،‮ ‬لكن لا أحد‮ ‬يستطيع الإفلات منه،‮ ‬مهما ذهب بعيداً‮ ‬وشعر باليأس أو الذنب،‮ ‬فهذا الكائن لا‮ ‬يعبأ بك أو بأحد،‮ ‬ففي ظل وجوده‮ ‬يفقد البشر أسماءهم ووجوههم،‮ ‬ويتحولون إلي علامات وأرقام‮.‬

أعتقد أن كل بطل في الرواية‮ ‬يحمل داخله مثل هذا الكائن البحري،‮ ‬بعضهم‮ ‬يتجاهله،‮ ‬والآخر‮ ‬يهرب منه،‮ ‬قد‮ ‬يتخذ شكلاً‮ ‬ملموساً‮ ‬مثل عصابة مطارِدة،‮ ‬أو شكلاً‮ ‬غير محسوس مثل الظلمة،‮ ‬هم لا‮ ‬يحاولون مقاومته أو التمرد عليه،‮ ‬فقط‮ ‬يرون الحل في الهروب،‮ ‬وانتظار الساعات الطويلة في الشوارع حتي انجلاء الظلام ببطء‮.‬
المصدر: أخبار الأدب
بقلم : حسام دياب

رواية جروح الذاكرة

العودة إلى الذكرى التي تحتضننا. وما يعيش في تفاصليها من تفاعلات تلازمنا. تلك الذكرى ذاتها أليست عمل فعلناه في طفولتنا دون أن تستوي وتنضج مجرة عقولنا. وحتى اليوم ألسنا نرتكب الحماقات في حالة من الوعي واللاوعي لم ننضج بإرتكابها بعد.
 هل نحن حبيسي أفعالنا وذكرانا القديمة تلك. كان هذا العمل يدور كثيراً حول هذا النقطة. ويجعلها البئر الذي تستقي الحبكة منها ارتوائها. وكعادة الحمد يترك لذة خاطفة في اختيار زمن الحكاية فهو يتراجع إلى أحداث حرب الخليج.. ثم يتأخر ثم يتقدم.. هذه الحفلة الزمنية المدورة كانت السبب في نجاح هذا العمل. يعيش الكاتب هذه المرة في حياة سيدة " لطيفة" ، تستذكر حياتها من القرية إلى الزواج حتى المدينة .. ولكن هذا الاستذكار أكثر عمقاً.. أحدُ جرحاً.. يقوم الحمد بسرد تلك الخواطر والأفكار والأحداث الجنسية التي كانت تراود "لطيفة" .. وتعيش فيها. لقد كنتُ في الفصل الأول أعتقد أن الحمد يجامع الرواية فعلاً!. وكنتُ في لحظة افضل عدم الاستمرار في القراءة ،ولكنه كان صادقاً على الرغم من إعتماده النظر إلى الجنس كتفسير لمعظم الوقائع والزج به في كافة الأحداث . الحديث عن الجنس محبب للشيطان الذي يسكننا ، إننا نشعر بمتعة خافية أن يتحدث أحدهم علناً عن خواطر غريبة ومناظر وأشياء عرفنا عنها أو مارسنها أو سمعنا عنها. حقاً هذا لا يحقق أهداف الأدب العظيمة والأساسية.. ولكنه أكثر ملامسة وعمقاً وهذا يكفي. إن كتابة الرجل عن فكر المرأة الجنسي وتضمينه عمل روائي أمر في غاية الخطورة إلم يكن مبني على الفشل منذ البداية ما لم تتم معالجته معالجة متكاملة تتوزاى مع اللغة المستخدمة والأفكار المناقشة وإبقاء القارئ ضمن الحبكة السردية.

لماذا اكتب عن هذه الرواية؟ وقد نظر إليها الكثير على أنها مسفة وساقطة ومكانها "الزبالة" ولما احتوته من حديث طويل عن الجنس. ما هو في نظرننا ؟؟ كيف هو الجنس في العالم؟ وكيف هو الجنس في السعودية ؟ إنه تلك الحكاية المغيبة .. الجانب الغيبي المظلم الذي يتنقل من جيل إلى آخر بكيفيات مختلفة ويحدث في ظل منظومة الدين والأخلاق والعادات والتقاليد الصحيح منها والمزيف بعض الصِدام والتشابك والتقاطع.. هذا بالفعل ما حدث لـ " لطيفة ". يبتدئ الحمد الرواية بمشهد سيدة خمسينية تستيقظ من نومها .. ثم تجترها أفكار وحياتها في القرية وانتقالها إلى الرياض ثم علاقتها من زوجها " صالح " وأبنائها وبناتها.. في المنتصف تتجلى قصة المصح النفسي في بيروت ومحاولات شفائها من الحالة النفسية الغريبة التي كانت فيها.. حتى يقارب العمل على النهاية .. تعود بعد ذلك لإكمال القصة التي بدأت أول الرواية.

على الرغم من بشاعة العمل إلا إنه جميل برأيي. فهذه الأعمال حقاً هي تلامس جروحنا التي لم تندمل. وبقيت دهراً لا نكاد نقترب منها بل إنها تعشعش في عقلنا اللاواعي لتأثر على حياتنا بأساليب قد لا نفطن لها. ولذا نحن نخرج من خلال هذه الأعمال بفكرة واحدة أن علينا أن نعيش في حالة صحية من فهمنا للجنس والتعاطي معه.. ثم علينا أن نربي الجيل القادم على الحرص أن يكون في المستوى المطلوب في فهمه للجنس وماهيته. إن المرض النفسي الذي يصاحب " لطفية " طوال العمل حتى آخر صفحة فيه يُعيده الحمد إلى تلك الممارسات الخاطئة في قريتها بشأن الجنس.. إلى تلك العادات التي اجبرتها أن تتزوج "صالحاً" وهو يكبرها بـ 15 عاماً بينما كانت تحب "فالحاً ". أجمل ما في البنية السردية البسيطة في هذا العمل هو أننا نعيش أولاً في عقل السيدة " لطيفة " حتى كأننا ننام فيه ونستغرق في أدق حالاته .. ثم بعد صفحات طويلة نخرج في لاشعور إلى أن نكون الكميرا السرية التي تراقب مرضها النفسي وما يدور حولها. هذا التنوع خلق إبداعاً لامنظور ولا يشعر به القارئ كثيراً بسبب تلك الإنسايبة في ذاك الانتقال.

لم يخشى الحمد أن يقوم بإستعراض ثقافته الموسوعية في الفلسفة والشعر والغناء والموسيقى والبلدان وغيرها في بنية العمل سواءً ضمن نصوص الحوار أو السرد.. على الرغم أني وجدت في بعض الأحيين خروج غير مألوف عن صورة الشخوص التي قدم لها مُسبقاً، كان مثل هذا الخروج بحاجة لمراجعة أكثر دقة .. حتى يُكسب الشخص موضوعية مقنعة أكثر للقارئ، وحتى لا يقرأ أحدنا أفكار أحد الشخوص وكأنه يقرأ أفكار تركي الحمد مجردة وثفافته أو كأنه يقرأ مقال موقع بإسمه. أخيراً ؛ استعمل الحمد تقنية أو كيفية لإنهاء العمل حيث الخاتمة هي البداية - وعلى الرغم من تكرارها في عمل سابق له " العدامة " أحد أجزاء الثلاثية، إلا أنه استعمل هذه التقنية بذكاء وظفه لبقاء النص والحكاية دائرة ومستمرة .. وجعْل الخاتمة بهذه الطريقة يشكل تسامحاً خفياً مع القارئ.. لا ادري حقاً كيف وما هو هذا التسامح.. ولكن وكأنها مصافحة عذبة للعمل.

* بعض الاقتباسات :
- المذكرات اليومية :
" المذكرات اليومية هي أفضل علاج لانفعالات النفس وحتى قاذوراتها المترسبة والمتعفنة " ص 57.
- عن القرية التي انتقلت معنا:
" نعم.. لم نعد نعيش في القرية، بل لم تعد القرية كلها موجودة، ولكن القرية لا تريد ، تتركنا ، وأسوء ما في القرية لازال يعيش في أعماقنا ، ويحكم تصرفاتنا، رغم كل ما تغير ويتغير " ص 82.
- الرجال :
" قاتل الله الرجال، فهم من حكم على المرأة باليأس في سن الأربعين، وعلى أنفسهم بالفتوة والنضج في السن ذاتها، كي يجدوا مبرراً للاتصال بامرأة أخرى أصغر سناً " 89.
- " نعم فالرجال عديمو الخاتمة ولا أمان لهم ، فهم يصنعون كل شيء، ويفعلون كل شيء، ومع ذلك يلومون المرأة على كل شرور الدنيا " ص90.
- الزواج :
" الزواج واحد في كل مكان وكل زمان : ذكر وأنثى يرغبان في بعضهما بعضاً، ويعلنان ذلك على الملأ، أما الترتيبات فهي اجتماعية محضة .." ص 232.
-العادة السرية:
" كما أنك كنت طوال الوقت تحملين احتقاراً مكبوتاً في داخلك لذاتك. احتقاراً مصدره ممارستك للعادة السرية" ص 234.
- لوم أنفسنا على خراب المجتمع:
" نحن لم نصنع العالم الذي وجدنا فيه، بل خرجنا إلى الوجود ووجدناه بشكله الذي فرض نفسه علينا .. نعم قد نحاول تغييره وفق مرئياتنا ( ....) ولكن إذا فشلنا يجب أن لا نلقي اللوم الكامل على ذواتنا " ص 235.

عن الكتاب
عنوان الرواية : جروح الذاكرة.
الكاتب : تركي الحمد.
الدار : دار الساقي.
عدد الصفحات : 286.

رواية القندس

"القندس" هو عنوان الرواية الصادرة للروائي السعودي محمد حسن علوان عن دار الساقي في طبعتها الأولى 2011 جاب خلالها القندس 320 صفحة من الحجم المتوسط متوغلا في 40 فصلا يسرد فيها بحذر بالغ تفاصيل ذاتية،عائلية ومجتمعية دقيقة، تماماً مثلما يجمع الأخشاب ليبني سدّه العائم في النهر.

غواية العنوان..
لا يمكنك وأنت تقف عند عتبة عنوان رواية " القندس" ولا تستحضرك الأسئلة ويجول في ذهنك كل ما يمت لهذا العنوان بصلة، بالنسبة لمخزوني المحدود كانت عبارة قرأتها في رواية "السجينة"* أتذكر هذه المقولة بصفة خاصة لأنها تذكرني بقدرة الإنسان على اختلاق الدعابة في ظل حرمانه من أبسط سبل الحياة، كان الأبطال يحفرون نفقهم نحو الخلاص من سجون تحت الأرض، كانوا يرددون أمام الحرّاس: " دخلت القنادس إلى سدني وأعلام النصر خفّاقة فوق رماحها". فهل كان العلوان يحفر نفقاً لخلاص أبطاله؟

أيضاً يستحضرني الممثل "ميل غيبسون" وهو يمسك بيده دمية على هيئة قندس في فلم حمل اسم *"القندس" والذي يحاول غيبسون التخلص من كآبته المزمنة من خلال علاقته بدمية القندس. فهل أراد العلوان أن يتخلص من مرض ما مستعيناً بذات الحيوان؟

كل ذلك يأتي في الذاكرة لمجرد قراءة العنوان، ثمّة أمر آخر وهو شخصي جداً، يتعلّق بـ ابني الصغير، عندما أرى أن شعره أخذ يحتل من وجهه أكثر مما ينبغي نبزته : " متى أوديك الحلاق أيّها القندس؟" في بداية الأمر سألني: ماذا يعني "القندس"؟ أجبته: حيوان برمائي تطفر عيناه من وسط شعره الكثيف. فهل اختار العلوان أن يتنابز بالألقاب مع شخصياته فلم يجد أفضل من القندس ليقدحهم به؟
أجد أن هذا التحليل الأخير قريباً بشكل ما من تبرير لصق مسمى هذا الحيوان على غلاف الرواية، فـ البطل مندهش من مكانة هذا الحيوان الذي يحتل كل هذه المساحة من الإعلانات وذاكرة الناس وتقام باسمه المهرجانات، كان الأشهر في بورتلاند، وبما أن "غالب" جاء لهذه المدينة للبحث عن ذاته لم يجد أمامه سوى هذا القندس، ولأنك لا يمكن أن تعبر ذاتك إلا عبر ذوات الآخرين راح غالب يتأمل هذا القندس ويحيل كل صفاته الحيوانية على عائلته، فـ شيّئهم جميعاً لقنادس وراح يتأملهم ويحلل كل تصرفاتهم من خلال القندس الذي ظهر له بكل عائلته من ضفة ويلامت.

" تأملت سنيّه البارزتين اللتين اكتستا لوناً برتقالياً شاحباً من فرط ما قضم من لحاء البلوط والصفصاف ، فذكرني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة...... أما ردفه السمين فذكرني بأختي بدرية.... وعندما رفع إلى عينيه الكلّتين محاولا أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي... انتزع التمرة من يدي كما ينتزع ابي ثمار الحياة انتزاعاً... قبض عليها بيد شحيحة ذكرتني بيد أخي سلمان عندما تقبض على المال.."ص1ــ

الحكاية..
"غالب" بطل القندس هذا المتمرد المأزوم الذي يعاني الآن من القولون وقد تشوّه وجه الجميل جرّاء حادث سيارة، كان قبل ذلك قد التقى بـ "غادة" أثناء زيارته لـ مدينة جدّه: " علقت غادة بصنارتي التي رميتها بلا مبالاة في أحد شبابيك جدة ولم أعوّل عليها أن تعود بشيء. لكن الذي يعرف جدة يعرف أنه عندما يكون الموسم ربيعاً يلقي البحر على المدينة اطناباً من اللقاح الذي يتنفسه الناس ولا يرونه. يصبح الحب حالة عامة والشوارع مليئة بالقلوب الخصبة."صـ303ــ توثقت علاقتهما من خلال اللقاءات السرية ونمت بذرت الحب، لكن لم يكتب لهذا الحب أن يتوّج بـ ارتباط مقدّس لأسباب قبلية:"كان رأي أبي معلوماً لي قبل أن أضطر لمفاتحته، تماماً مثلما تعلم هي مسبقاً رأي أبيها.كل من العائلتين كانت تتعالى على الأخرى مما جعل المعادلة أصعب فعزفنا عن حلها قبل أن نحاول" ص201ــ ودون محاولات تذكر آمنوا أن لا سبيل للارتباط تاركين أنفسهم في مهب العشق، لكن غادة تتزوج سفيراً وتغادر عشقها الأول ليأخذها الغياب سنة كاملة قبل أن تعود لتسترد مكانها الشاغر دائماً.."كانت غادة عاشقة مثالية لفتى صاخب ولكنه لن يتزوجها مطلقاً كما تقول القبيلة التي في دمه، وكنت عاشقاً لحوحاً لفتاة حرة ولكنها لن تتزوجه أيضا كما تقول المدينة في دمها.هكذا تركنا القصة مفتوحة دون تدوين تفاصيلها حتى إذا اضطرم الحب بيننا رمينا باللوم على الأباء، وشتمت هي جنوبي المتخلف وشتمت أنا حجازها المتحذلق. أما إذا خفت الحب وتحوّل إلى علاقة باهتة كتلك التي نعيشها اليوم تذكرنا معاً بأنها ربما جاءت أبهت لو كنا تزوّجنا فعلا."صــ204ـ

تستمر العلاقة المجنونة حتى يصل كليهما لسن الأربعين، يلتقيان بين زمن وآخر في مدن مختلفة من العالم، وبينما تعيش غادة حياتها و تربي أطفالها يظل غالب سجين نفسه، يتمرد أكثر فيقرر أن يعتزل في بورتلاند بالقرب من نهر ويلامت يفني أيامه بين تعلّم صيد السمك و التصعلك في الحانات ثم العودة لشقته المستأجرة، من هناك يظل يتواصل معها هاتفيا، إلى أن تفاجئه بقرار زيارتها لمحل إقامته لتدبّر شؤون دراسة ابنها، لكنها وبسبب خلاف يدب مع زوجها، تقرر البقاء في بورتلاند لحين يرضخ زوجها لمطالبها، فتسكن شقة غالب قرابة الشهر قبل أن تعود إليه، لكن خلال هذه الفترة التي يجرّب فيها غالب العيش مع أحد آخر يكتشف أن الأمر برمته كان نزوات طارئة .." الحقيقة التي كشفها استيقاظنا معاً في الصباح على أمزجة متناقضة وصمتنا الطويل في المساء أمام برنامج تلفزيوني ، هي ان علاقتنا برمتها لم تكن أكثر من صدفة غير متقنة . الآن اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة ان الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة."ص295ــ

إذن ما الذي يجعله يستمر معها طوال عشرين سنة دون أن يكون الذي بينهما يستحق كل هذا العناء والمخاطرة؟ ما يحاول غالب أن يقوله ما بين السطور أن العشرة تجبرنا أحياناً أن نجامل حتى في رغبتنا الجنسية ونستمر حتى يجعل الله لنا مخرج وذلك لا يعني أننا لا نحب ولكنه حب متعدد الأوجه..
" بالتأكيد كنت أحبها ولكني لم أكن أعرف نوع هذا الحب.أعتقد أني مارست معها نصف أنواعه على الأقل. أحببتها باستخفاف في البداية لأني كنت أظنها سهلة المنال بسبب استجابتها السريعة.فكرت في البداية أن بنات جدة كلهن كذلك ولكن عشرين سنة من الدوران حولها مثل أطواق زحل بخرت هذه الفكرة تماماً.."صــــ204ــــ
" رغم أن وجهها المستدير لم يعد كامل الألق وأصابعها تضاعف حجمها حتى بدا لي كأنها قلت عددا، وصرت أحصي في بطنها إذا جلست ثلاث طيات، ولكن منذ متى أنا ألتقيها لجمالها؟"صــــــ296ــــ
يفرد غالب في السرد الكثير من تفاصيل عائلته بدء من الأب الذي يأخذ الكثير من المنعطفات وصولا لـ أشقاءه من أبيه كون أن أمه تزوجت بعد طلاقها من أبيه برجل آخر كما فعل أبيه أيضاً وتزوج من شيخة التي أحسنت إليه برعايتها، إلا أن غالب يظل معتزلاً عن أخوته فيحتل سلمان مكانة خاصة عند أبيه الذي بدأ يأخذ طريقه نحو الثراء والشيخوخة، أخته منى التي تشبه في التمرد، بدرية التي تلجأ للتدين والتشدد، عمته فاطمة الأرملة التي راح يقص عليها مغامراته، حسان و سلمان، صديقه فيصل، والخال بالرضاعة داود، يستمر في سرد الكثير عن تاريخ عائلته وتحديدا جده "حسن الوجزي" الذي يظل "ثابت" ابن قريتهم القديمة يسرد عليه وهو يدون كل شيء على أمل أن يعدّ بحثاً لا ينجزه أبداً.
يعود غالب في ختام الرواية من بورتلاند مع موت أبيه ليتقاسم وأخوته التركة التي لم تكن كما يتوقعون لكنهم اقتسموها وانصرفوا لحيواتهم.

المكان..
يحتل المكان في هذه الرواية مساحة واسعة واشتغال واضح على المفارقة المكانية بين البلد الواحد واختلاف مدنه كـ جدّة والرياض أو بين بيئتين مختلفتين إحداهما في الشرق وأخرى تقبع في الغرب _السعودية و بورتلاند_ وقد أجاد إبراز المعالم والوصف بما يتناسب مع المشهد الداعم للأحداث، الشيء الملفت أن ثمّة قسوة مفرطة على الرياض والذي يصّر العلوان على أن يخرج كل أبطاله من أرضها..
" تحتاج الحياة في الرياض أحياناً إلى حوادث ومستشفيات حتى تنكشف مشاعر الذي يحيطون بنا."صــ70ــ
" بعد ذلك تعود إلى لندن حيث تعيش وأعود إلى الرياض حيث أموت."صـ87ــ
" عندما أطفأت شمعة السادسة والأربعين شعرت بأن الرياض مملة ومتربة وليس لديها ما تمنحني إياه."صــ100ــ

أبطال الأربعين..
الملفت في رواية القندس هو ترجل البطل من صهوة العشرين ليتربع على قارعة الأربعين، التركيز على هذه الفئة العمرية جاء بذكاء ملفت حيث استطاع العلوان أن يدخلنا لعوالم هذه المرحلة عبر طريقين، الأول يمر جسدياً بحيث اختار بعض الأمراض التي تتناسب وهذه المرحلة العمرية كـ مرض القولون عند غالب و آلم الظهر عند غادة ومن طريق آخر ركّز على البعد النفسي والأحاسيس الأكثر وعياً في هذه المرحلة..
" لا يهم. لا يوجد آباء وأمهات لمن تجاوزوا الأربعين مثلي. وجودهم في هذه المرحلة من العمر يصبح تذكاراً وسخيفاً."صــ73ــ
" الآن تصفّنا الأربعون على رف غابر مثل طقم قديم من العشاق.لم نعد نصلح لشيء باستثناء تمرير النصائح التافهة وتدبير اللقاءات المتثاقلة."ًصـــــــ136ـــ
" أنا الرجل الذي عمره ست وأربعون سنة وفي ذاكرتي حكايات ومدن وأشخاص ومتاعب.وقعت في البكاء الذي أوكأته يداي ونفخه فمي."صـــ168ـ
"الأربعون تغلق باب الاعتياد وتطرد من مفاصلنا آخر قطرات المرونه."صـــ196ـ

الحس الساخر..
منذ البداية يلحظ القارئ هذا الوميض الساخر والمتسارع وإن خفت فيما بعد وصار يومض بشكل أقل إلا أنه ظل علامة لا يمكن إغفالها..
" آثرت ان أؤجل فضولي حتى أعود إلى شقتي في المساء وأنقب عنه في الإنترنت أو اسأل كونرادو، جاري الفلبيني السمين، لأنه يعرف الكثير عن الحيوانات .ألم يقل إنه كان صياداً قبل أن تخترق ساقه طلقة بندقية خاطئة ، فأصبح سباكاً حتى داهمه زوج ضخم وهو يضاجع زوجته في حمامها الذي كان يصلحه، فأصبح سائق تاكسي حتى اعترض موكب رئيس حزب التحالف الفلبيني فحطموا سيارته، فأصبح كهربائيا حتى الآن؟."صــ7ـ

" ترهل خداي وعنقي أخيراً مثل عجين اختمرت طويلاً. بعد ذلك جمع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا وبعثرها مرة اخرى بمعرفته.."صـــ10ــ
"هذا الملعون يتجاهل تمري ويرحل. الكيلوغرام الواحد من هذا التمر الفاخر أغلى ثمناً من لحمه.."صــ13ـــ
" وانتشرت في المحال قمصان بصورته وهو يغمز بعينه، تباع بالسعر الذي يثير حنقي دائما: تسعة دولارات وتسعة وتسعين سنتاً."صــــ25ــ
"خرجت على سيارتي وأنا أفكر كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي عليّ منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟ هل من المعقول أنه لم يتخذ قراره بشأنها حتى الآن؟ أتراه يمهلني.. أم يمهلهما؟"صـــ37ــ
"منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفّر بالدّين واليتم وهو يشعر بأنها حريق كبير يوشك أن يأخذه. ولذلك ربّانا جميعاً كفرقة إطفاء."صـــ41ــ
" تخيلت أنها إذا استطاعت أن تخلع حذاءها بعد عشر دقائق فقط في شقتي فقد تخلع زوجها إذا أقامت هنا أكثر من أسبوع."صـــــ168ـ

الحكمة..
كعادته يمرر لنا العلوان الكثير من الحكم في العبارات التي لا يمكن أن تمر دون أن تجرح ذاكرتك فتقف تتأمل نزفك، لم يحدد حكيماً بل جعل الحكمة تخرج من كل الشخصيات بشكل عفوي كل حسب بيئته وثقافته..
" لا شيء يجيء متأخراً إلا عللته الأقدار بأسباب حكيمة"صـ38ــ
" من الممكن أن نتحمل مواربة الأبواب غير المحكمة ولكن من الصعب جداً أن تعيش تحت سقف مثقوب"صـ108ـ
" القطارات لا تعود للوراء"صـ180ــ
" دائما هناك امرأة كافية لبعض الوقت"صـــ191ــ
"الحب شيء والنضال من أجله شيء آخر"صــــ202ـــ
"إذا أردنا أن نخنق حباً قديماً، فعلينا أن نسخر منه باستمرار!"صـــــ227ــ
"المسنّون الذين بلغوا من الوهن مبلغه مثلي لا يحسدون يا ولدي، إنهم يتحسّرون فقط. ولتكتشف أنت وحدك يا ولدي أن بين الحسد والحسرة دائماً زقاقاً موغلاً في اليأس"صــــ235ــ
" الأردية الأكثر بياضاً أسرع اتساخاً"صــــ244ـــ
" ما يُسمع مهما كان ثميناً يظل أقل بكثير مما ُيرى." صـــ247ـــ

لغة السرد..
يصعب أن تفلت من لغة علوان السردية بدء من روايته سقف الكفاية مروراً بصوفيا وطوق الطهارة متوقفاً عند القندس هذه اللغة هي مفتاح صبر القارئ على هذا الروائي الجميل، رغم أن السرد لأحداث الجد والأب أخذت الكثير من المساحة التي كان يتطلع لها القارئ لتضاف لـ حكاية العاشقين، أيضا شخصية "ثابت" تماهت كثيرا مع البطل الراوي فصار لسانه وثقافته ويمكن تحديد هذه الفجوة بمقارنة بيئة ثابت التي لم تخرج عن ثقافة الأب و الأم والعمة فاطمة و الأخت بدرية في حين أن هذه الشخصيات لها صوتها المنفرد لا نجد لثابت صوته الخاص إلا في كلمة "يا ولدي" رغم احتلاله لأكثر من 4 فصول من الرواية.

النضج..
في هذه الرواية يتضح جلياً النضج الأدبي والمعرفي لدى حسن علوان 
فأنت تجد خليطاً من الروايات تمر عليك وأنت تقرأ القندس، أهمها رواية "حين تركنا الجسر"* وتجد ذاك الرابط حين كان بطل الرواية زكي نداوة مع كلبه وردان ينتظر بزوغ البطة الخرافية، كذلك نجد غالب ينتظر القندس بذاك الترقب والشغف الوصف الآخذ في الدهشة، ذاك الإيغال في الشخصيات ومحاولة الوصول بكل شخصية لنهاية مرضية قدر الإمكان، التنوع في الأعمار و الأمكنة والجنسيات (باسل السوري ، زكي المصري، شفيق الباكستاني، الخدم الاندنوسيات، مخلص الحلاق) في محاولة واضحة لطرح قضايا شائكة كـ الكفالة والعمالة دون التكلف أو زج أحداث طارئة تكون ناتئة في جدار الحبكة. أستطاع أيضا علوان أن يهرب بطريقة سلسة من مأزق التورط في تواريخ بعينها فـ اتبع تقنية فلاش باك ثم أخذ يتنقل في الأزمنة دون وضع الكثير من العلامة بـ استثناء مرحلة ما بعد حرب الخليج ولأن الأحداث اختلفت أزمنتها يصعب تحديد العمر للأبطال لولا ذكر ذلك بوضوح "ست وأربعين سنة" هي ما يمكن توزيع الأحداث عليها.

نستطيع أن نرى هذا النضج رغم أننا مع روائي لم يتخلى عن صناعة كل أبطاله في مصانع الرياض ولم يتخلى عن ذريعته الأثيرة وهي الأبطال الذين ينتظرون تركة أبائهم والأبناء المتمردين والعلاقات التي لا يمكن لها أن تكتمل ما شفع لهذا النضج أن يومض هو تخطي بطل العشرين للأربعين وتكثيف السرد من حين الأماكن والأزمنة والشخوص.

رواية ضحك مجروح

لو سألت نفسك ما هو الشيء الذي يضحكك ويبكيك في آن واحد، لوجدت أن عقلك فكر كثيراً قبل أن يجيب؛ فليس هناك ما يجعلني أضحك وهو في نفس الوقت يجرحني ويبكيني.
بالنسبة لبلال فضل فقد وجد الكثير من المتناقضات في مجتمعه جعلته يصيغ لنا هذه الرواية الساخرة، الحاملة في طياتها ما يضحك الشفاه ويدمي القلوب في نفس الوقت.
جعل من كتابه “ضحك مجروح” المرآة التي نرى فيها كل جروحنا المضحكة، أو ضحكاتنا المجروحة؛ فلا فرق بالنسبة له بين الوصفين ما دام الضحك والجرح كالتوأم السيامي لا يفترقان.
لن تذهب بعيداً فالكتاب القصصي الذي يسرد لنا مجموعة من القصص، والمواقف بلغة مليئة بالإيحاءات ومخلوطة بالعبارات الرائجة في اللهجة المصرية؛ سيجعلك تتأكد أنك في مصر وأنك الآن ستراها بعين الكاتب، ولن تسمع إلا ما يدور في مخيلته.
إذن فلتربط الأحزمة، ولننطلق لنحط رحالنا في أول محطة من محطات “ضحك مجروح”

فتوى في البوس...
المظهر الخارجي يجعلنا في أغلب الأحيان نخطئ الحكم على الأشخاص؛ فربما نقيمهم بعكس ما تحمله أخلاقهم وأفكارهم، وهذا ما حصل مع كاتبنا الذي اعتبره سائق التاكسي البسيط  “شيخاً” نظراً للحيته الكثيفة التي تكاسل عن حلقها؛ مما وضعته في موقف محرج مع السائق.
فهذا الأخير كان كل همه أن يجد من يفتيه في تصرف طالما إعتاد  القيام بِه بحسن نية ليجد نفسه يشبه تصرفه هذا على حسب قول من حرم تقبيل النقود “ياما ناس بتخرج من الدين كمروق السهم من الرمية” فاحتار الرجل وتكاثفت الأسئلة والخوف بداخله؛ هل أنا بتقبيلي النقود خرجت عن الملة و الدين؟ هل حسن نيتي تحولت إلى حرام أوثم عليه؟؟, فكانت لحية الكاتب طوق نجاته من الأسئلة، رغم أن صاحبنا لا علاقة له بالفتوى ولا بالحلال والحرام؛ كل ما كان ينتويه هو الوصول إلى هدفه الذي خرج من بيته ذلك الصباح مستعجلاً دون حلق لحيته.
حرج “الشيخ” المزعوم حال دون أن يفصح عن هويته التي كادت الكتب التي يحملها أن تفصح بذلك؛ فقد قال “شحنة الضلال المنبعث من الكتب جعلتني أفكر للحظات أن أخلع قناع المشيخة” لكنه تردد ولم يستطع أن يهرب من السؤال الملح ( هل تقبيل النقود حرام؟)، فقد أصبح كل الناس تبحث عن من يفتي في تصرفاتها، وأصبحت سفاسف الأمور أكثرها طلباً للفتوى؛ كل هذا خاطر الكاتب لكنه لا زال في نفس الوضع  عليه أن يجيب ولم يكن مُنقذه سوى كتاب “شخصيات غير قلقة في الإسلام” للمفكر العراقي الراحل (هادي العلوي) منحه الفكرة لكي يجيب ببساطة تجعله في نفس الوقت يراوغ في الإجابة المباشرة والحاسمة؛ كانت الفكرة التي قدمها على طبق من _ حديد_  يجب أن ينطلق من نيته و إحساسه هو، فليس كل ما نفعله يستلزم الفتوى؛ الإجابة لم تقنع السائق لأنه لا يريد التفاوض مع نفسه، إنما يريد شماعة يعلق عليها تصرفاته.
لكن للأسف عزيزي السائق لن تنال مبتغاك فقد قرب نزول زبونك …

إما اعتدلت...وإما اعتزلت.
أحلامهما مر بالنسبة للمخير، فكاتبنا يخاطب من يراه طيلة 30عاماً لا يتغير ولا يتبدل يناشد فيه التغيير، ويستعطف فيه التجديد؛ لكنه لا زال كما هو، توسم الأمل و الخير ولم يجد منه سوى الروتين والتكرار؛ في الوهلة الأولى عندما تقرأ ما يكتبه ستعرف أنه  يتحدث عن ركاكة الوضع السياسي و السياسيين عن من هم  مسؤلون عن التغيير فلا يتغيرون، فكل جملة يصف بها الشخص المنشود لا تخلو من عبارات الإصلاح و التجديد؛ فقد قالها له مراراً و تكراراً إما اعتدلت وإما اعتزلت... لكنك كلما غصت في رسالة المؤلف اكتشفت فئة جديدة ربما هي التي يقصدها بلومه وعتابه ربما يقصدك أنت، أو يقصدني أنا، أو يقصد بعابرته “ إن إخفاءك معالم الشيب في رأسك سيجعلنا نظن أنك لا تشيخ ولا يؤثر عليك الزمن وإن ظهورك دائماً لامعاً متأنقاً سيجعلنا ننسى أنك حاضر في حياتنا منذ زمن بعيد..” كل من يتصنع القوة و الشباب و يتجبر على من هم تحت سلطة.
أكيد إنك تسأل من يقصد المؤلف؟ فلا يعني بكلامه سوى شخص واحد ألا وهو الفنان هاني شاكر بعد إصدار ألبومه الجديد.

سلاح المقاومة.
ربما لم أعب على الكاتب شيء قاله فيما قبل، لكنني وجدت في هذه القصة التي دارت في مصعد برج من أبراج المعادي، ما لا يليق أن يسمى بسلاح مقاومة؛ فالمقاومة أسمى وأرقى من أن تقرن بأتفه الأشياء. فقد جاءت الصدفة أن يلتقي صاحبنا عند باب المصعد بشخص منعه من دخول المصعد بحجة أنه محجوز للسيد “عضو مجلس الشعب” مما أشعل بكلماته تلك نار الحقد، وزاد بداخله الإسرار على الصعود في ذلك المصعد بالذات قائلاً “ طب عليا الحرام ما أنا طالع إلا لما يجي البيه العضو بتاعك وأشوف ليه مش عايز يركب مع الشعب” فقد إستفزه تعجرف السياسي الذي هو في الأصل يجب أن يكون أقرب للشعب من غيره لأنهم إئتمنوه على مصالحهم وحقوقهم؛ هذه هي الكلمات التي كانت تغلي في حلق الكاتب، فقد حانت الفرصة التي يعبر فيها عن كل ما يحمله من شحنة سالبة تجاه تلك النوعية من الأشخاص، لكن إستسلام الخادم جعله يضغط زر الطابق المنشود، ويصعد بهدوء وهو يحلم أن يمثل ما يدور بداخله من ثورة أمام مرآة الحمام.
توقف المصعد عن الحراك وعاد أدراجه ليجعل الكاتب في وجه السيد المرموق وليتشاركا نفس المصعد. بدأت الشتائم والعبارات الهائجة تتدفق إلى فم الكاتب، لكن عيناه ألجمتا شجاعته بعد أن لمحتا السلاح الذي بحوزت الحارسين للسيد العضو؛ وتخيل وضع عائلته لو باح بما في جعبته فمصيره لا محال الموت؛ كان الشر والخير يتصارعان بداخله والإستسلام والمقاومة يتعاركان، فمن سادت كلمته في الأخير؟؟ هذا ما ستعرفه عندما ستقرأ سلاح المقاومة، و ستعرف أن السكوت وعدم التعبير عن الرأي أحياناً لا يعتبر جبناً إنما حبنا لمن هم أهم شيء في حياتنا يجعلنا نؤثر الصمت على فقدان من نحب، وضيق هالة الحرية تخنق فينا التعبير عن ما بداخلنا فنختار الرد بطرق أخرى غير الكلام.

عمود سبعة راكب.
لا تستغرب العنوان فمؤلفنا بخياله الواسع صاغ لنا العبارات التي جاءه إلهامها من ما يكتب على مؤخرات “التكاتك” وسيارات الأجرة، فقد كان يتحدث بالأصل على أعمدة الصحافة التي وصف بعضها بالجيد و يحب القراءة لهم، والأخرى على حد قوله “ لا يستحقون سوى أن يعلقوا على أعمدتهم حتى تأكل الطير من رؤوسهم”؛ تمنى كثيراً لو أن الجرأة المخطوطة على مؤخرات وجوانب سيارات الأجرة موجودة في “ مَنشطات” الصحافة، لكنه سرعان ما أدرك أن خياله الجامح سيؤدي به للهلاك، وسيواري صاحب المَنشِط وراء الشمس للصراحة البالغة. لينقلنا بعد ذلك بتساؤله، لماذا فقط أصحاب الأجرة والتكاتك وسبعة راكب هم من يكتبون هذه العبارات، ويزينون سياراتهم بأسماء أنجالهم مصاحبة بعبارات “و كان أبوهما صالحاً” ولا يهتم بذلك أصحاب السيارات “ الملاكي” و لا أبناؤهم بقدر ما يهتمون بكتابة السيارات نفسها بأسمائهم.
فلا جواب لهذا إلا الصمت؛ فقد (مات الكلام).

جيمس بن بوند عندنا...يا مرحبا يا مرحبا!
ستقع عينك على تواريخ محددة تبين لنا الأحداث التي جرت فيها؛ فقد كلف الكاتب السارد هنا من قبل “ مجلة جوردنيوز سينما” بكتابة فيلم عن جيمس بوند تدور أحداثه في مصر؛ تحمس كثيراً للعرض وأطلق العنان لخياله فنسج قصة رومانسية تجمع فتاة مصرية بالبطل الخارق جيمس بوند، لكنه لن يحكي لنا القصة، فهو هنا يسرد لنا ما ترتب عن تأليفه ذلك الفلم من متاعب؛ لتتوالى الأشهر و تمضي الأيام وحلمه في تحقيق العالمية يندثر ويتبدد يوماً بعد يوم ، فكل الجهات عارضت عليه فكرة ارتباط فتاة مصرية بأجنبي حتى لو كان من جمح الخيال؛ إلى أن إنتهت أوراق الفيلم في يد ظابط الشرطة الذي يحقق في ملف إنتحار المؤلف.
كانت النهاية كذلك لكنها بالنسبة لنا البداية لنفكر في أعماق القصة ونقرأ ما بين السطور، بغض النظر عن ما إذا كنا نؤيد المؤلف أم لا..؟؟ فالقمع؛ والإظطهاد وجهان لعملة واحدة.

حصتك في مصر.
من منا لا يحب وطنه ويعشق ترابه، لكننا نسأل كثيراً أنفسنا هل أوطاننا تبادلنا نفس الحب!؟
ربما نسأل ذلك لما نراه من معاني القمع وإلغاء الحقوق فيها. بلال فضل فكر أن يصف لنا حب الوطن “ لعم لاشين” الفكهاني الذي لا يبيع إلا بلحاً طول السنة و الذي لا يسلم من تسلط البلدية عليه و مطالبته بحقهم من الرشاوي في ماله. و يصف لنا سيد “ سكانر” الشاب الطائش الذي طرد من العمل بسبب تعاطيه للمخدرات، و محاولته إبتزاز والد حبيبته الذي رفض تزويجه إياها. كل هذه المظاهر نعيشها ونراها، لكن من المسؤول عنها؟ نحن أم الوطن؟
لن أجيب، فالسؤال لا يحتاج جواباً إذا كان ما وصفه بلال فضل “ بحصتك في مصر” لم تجعل “ عم لاشين” و “سيد سكانر”  إلا أن يضحكا إستهزاءاً، فلم يعد سوى أن نعيد النظر في حب أوطاننا لنا.

رجماً بالغيب.
الغيب لا يعلمه إلا الله، لكن فضولنا يجعلنا  نفكر أحياناً في أشياء غريبة، هي ربما لايمكن أن تكون إلا في الخيال كما سيحكي لنا هنا الكاتب عن صديقه الذي أتى لهم بساعة رقمية تقدم عداً تنازلياً لإنتهاء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي “ جورج بوش”  فقد جمعهم الفضول في بيت الصديق القادم من بلاد الغرب بهذه الآلة الغريبة.
في الحقيقة لم يكن إعلان إنتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكي هي ما تعنيهم؛ إنما كانت فكرة تجريب الساعة على تحديد فترة إنتهاء رئاسة الرئيس المصري حسني مبارك؛ ربما إستطاعت أن ترجم بالغيب و تخبرنا متى ستنتهي الفترة السادسة في الحكم؟ لتفاجِئهم الآلة بسؤال أدهى و أمر (أنهي مبارك فيهم؟).

أيها الراقدون فوق الشعوب أفيقوا..!
هي عبارة صريحة لكل الرؤساء الذين يقمعون شعوبهم ويخنقون فيهم حرياتهم، ويستبعدون الموت من قاموس كلماتهم. أغلبنا إن لم نكن كلنا نستغرب منظر الحكام والرؤساء في صلاة الجنازة، وهذا ما يقوله بلال فضل، يشرح لنا عدم تصديقنا لهم وهم واقفين متخشبين لا نحس فيهم أي تذلل و لا تأثر بالموقف الذي هم فيه؛ ربما ذلك لما ذكرناه قبل، لنسيانهم الموت وتعاليهم عليه، لرقودهم على أعلى المناصب، وإمتلاكهم زمم الأمور، لا يتخيلون أنفسهم في نفس الوضع. “وإذا كان الموت الذي نعلم جميعاً أنه كفى به واعظاً لن يعظ الحكام العرب فما هو الذي يمكن أن يعظ الحكام العرب غير “بوش” و “كونداليزا رايس”. هذه هي الجملة التي جمع فيها بلال فضل كل ما نسأله ونحسه؛ فليتهم يفكرون فيما سيجيبون خالقهم حين سيسألهم!.

في فلسفة الغيارات.
عندما ستصل إلى هذه الجزئية من الرواية ستجد نفسك، أمام مقارنة غريبة، مضحكة لحد ما لكن ما ستتركه في نفسك من تحسر على حال الأمة والدول العربية، سينسيك الضحك وسيجعلك تفكر مراراً وتكراراً؛ أين نحن من التغيير ومن فلسفة التغيير وسياسة التغيير؟؟ وهل ركاكة الواقع الذي نعيشه أنسانا أن نغير في حياتنا ومجتمعاتنا؟!
ستفكر كثيرا بالتأكيد، وستجد نفسك أمام العنوان التالي في الرواية.

شاطرون في الإملاء.
من منا لا يعرف الإملاء أو حتى كان يكره هذه الكلمة في أيام دراسته؛ أخطاءنا كثيراً فيه، وكما يقول بلال فضل كان الفشل والنجاح في نظر من حولنا يبنى على نجاحنا أو فشلنا فيه؛ فكبرنا وكبر بداخلنا الإملاء لا تتحرك الحياة بدون وجوده في تفاصيلها، فكل يملي على الأخر ما يجب القيام به؛ لا تحركنا قدراتنا ومهاراتنا بقدر ما يحركنا ما يملى علينا ممن حولنا، فكل المجالات لا تخلو من الإملاء، الصحافة تكتب ما يملى عليها والمسؤلون يقولون ما يملى عليهم، و..... لن أجد تعبيراً أشمل مما قاله بلال فضل”ولست أدري ماذا نقول لله عز وجل إذا سألنا يوم القيامة: لقد خلقتكم أحراراً فلماذا قررتم أن تعيشوا كما يملى عليكم؟”

الأصفر مع الجرين.
لن نذهب بعيداً ستجد في أصفر مع الجرين نفس المعنى السابق أو ربما أننا تعودنا على قول جمل متناسقة لا معنى لها فلا يهمنا معناها أو مضمونها المهم ألا تفضح عدم فهمنا للأشياء.
اللونين في العنوان يؤكدان لك أنك في في معرض للفن التشكيلي لوزير الثقافة المصري؛ واللوحات لم يشبها بلال فضل إلا برسومات أبنته؛ لم يفهمها أحد والكل لا يجرؤ  على سؤال سيد الوزير عن ما تعنيه لوحاته وألوانه، لكن يكفينا أن نسمع ما يقوله الفنانين الحاضرين المتأملين وهم يصتنعون علامات الإنبهار على وجوههم؛ لنعرف أننا لا نزال نحتاج الكثير من الوقت لنطرد الظلام الذي بداخلنا كي نرى ما حولنا بوضوح.

شلح زنبق أنا!
أصدقكم القول لو قلت  أني لم أفهم ما يقصده الكاتب بهذه الجمل المتسلسلة والتي جعل لها عنواناً أغرب منها، لكني  أفهم شيء واحداً أن التعبير ينطلق من عمق الإنسان، ولابد أن يكون صافياً نقياً لكي يترك أثراً طيباً لدى من يتلقاه؛ فربما ما ستقرأه فيما بعد سيجعلك تغفر له غموضه هذا, وسأترك لك أيها القارئ فهم ما لم أفهمه أنا عند قراءتك للكتاب.

عزيزي الشاب لا تلعن الظلام...إلعن الشمعة!
حين ستقرأ ما كتب تحت هذا العنوان ستجد نفسك تسير على الخطى التي رسمها الكاتب دون أن تفكر؛ تتخيل معه هذه الحياة التي يعيشها جل شبابنا؛ فقد لخص لنا بلال فضل هنا مجموع الشعارات والكلمات المكتوبة حبراً على ورق ممن يمثلون دور الوعظ للشباب الفاشل في نظرهم و الجاحد لأوطانهم؛ يكتبون لهم وصفات سحرية تجعلهم يغيرون حياتهم، ويوقدون شمعة بدل العيش في الظلام؛ لتتوالى تعليقات الكاتب الساخرة من هذه الشمعة التي في الأصل نورها لا يضيء شيء في وسط الظلام الحالك لقهر الحياة وإنعدام فرص العمل، وأساليب العيش البسيطة والحقوق المهضومة لهؤلاء الشباب... ففي نظر الكاتب لا يملك الشباب سوى التخيل والعيش في عالم إفتراضي لكي يحب وطنه ويوقد شمعة الأمل.

فين جواسيس زمان.
يستهل بلال فضل بمقولة غريبة فيقول “ليس غريباً أن نفشل في الحصول على المركز الأول في الفشل و نأتي في المركز السادس و الثلاثين بين دول العالم الفاشلة، فكل شيء لدينا تدهور مستواه، حتى الجواسيس” لكن ما علاقة الجواسيس بالفشل و تدهور المستوى؟؟ لو حللنا كلماته هذه سنجد أن الفشل ينتج في أغلب الأحيان عن تراجع المستوى في شتى المجلات،ولكي تتأكد أنك في “ضحك مجروح” لا بد أن تجد العلاقة العجيبة بين الفشل و الجواسيس؛ فالكاتب يرى أن مستوانا تدنى لدرجة أن حتى خيانة الوطن والجاسوسية أصبحت بمحض الصدفة، ليستهزئ بجاسوس الطاقة النووية لمصر الذي  لم يكن ينوي في الأصل أن يخون بلده لكن إكتشافه لشفرة الطاقة النووية كان صدفة حين كان يحاول التعلم على الحاسوب،مما جعلت صاحب العمل يطرده، ليجد نفسه مضطرا لأن يقبض ثمناً مقابل ما بين يديه من معلومات ليضمن إستمرار معيشته.
فلا أعتقد أن هناك جرحاً مضحكاً أكثر من هذا، و الواقع المر يجعل المبرر لما نفعل أَمَر.

الواد و أبوه.
كلنا تربطنا علاقة مميزة بأبائنا ونحب أن نراهم دائماً قدوتنا في الحياة، لكن يبقى الخلاف لا يفسد للود قضية هذا ما حاول أن يصفه لنا بلال فضل في هذه القصة البسيطة الجامعة لكل معاني التفاهم وإحترام الآراء والإختيارات.
قصة “تيدي” مع والده التي أثرت في الكاتب كثيراً ، لأن هذان الأخيران رغم علاقة البنوة والأبوة التي تجمعهما إلا أن ميولهما السياسي فرقهما؛ رغم أن الأب ورث ميوله من أبائه ليورثه بدوره لإبنه كما كان مخططاً؛ لكن تيدي كسر هذه القاعدة وأعلن إنضمامه للحزب المعارض مما أدى بالأب بفرض عقوبة عليه وهو حرمانه من نفقات الجامعة، لكن الإبن أصر أكثر  على موقفه وناضل من أجل قناعته، كسب بذلك ود الناس وإحترامهم؛ الغريب والجميل في نفس الوقت في الأمر أن الإثنين لا زالت تربطهما نفس المحبة والتقدير لبعضهما، ويجمعهم نفس المنزل.
سأعيد نفس الأسئلة التي قالها الكاتب بحرقة؛ متى سنترك أولادنا يكسرون القالب الذي  ورثناه نحن عن أبائنا وأجدادنا؟ لماذا لا نتقبل أن يعارضنا أبناؤنا؟ ونعتبر ذلك عقوقاً رغم أن الله خلق الإنسان حراً؟ متى سنرى أنجال الحكام  يعارضون أبائهم فيتخذون سياسة غير سياستهم؟ ربما قد حان الوقت لنكسر كل الأغلال التي وضعت في أيدي أبنائنا، لكي نرى إبداعاتهم في الحياة.

ولا الخيال العلمي.
هذه المرة تحدث بلال فضل عن ميدانه؛ فإجتماعه بالمنتج القادم من الخارج، الذي إستوحش الروتين الموجود في السينما المصرية آملاً أن يجد عند مؤلفنا أفكاراً جديدة لسينما جديدة مليئة بالخيال العلمي والتشويق، والرعب كالتي ينتجها الأجانب وكسحت العالم بتفوقها.
جيد جداً أن نفكر في التطوير والتجديد؛ لكن الشيء الذي  لفت الكاتب نظر مخاطبه أننا لننتج فيلماً للخيال العلمي لا نحتاج لإمكانيات مادية  فقط بل يلزمنا تغيير الحاضر بأكمله ليصدق المشاهد ما سيراه في الفيلم.
هذا الطموح الجامح للمنتج فجر الألم المكنون بداخل الكاتب، تخيل لو أنه يشاهد مشهداً لفيلم مصري البطل فيه يعود بآلة الزمن إلى الماضي بربع قرن، ماذا سيجد؟ سيجد نفس الحاضر و نفس المعانات و نقص في نفس الاحتياجات!،سيجد نفس الفساد، وسيرى نفس الشوارع والمباني وسيسمع نفس الشكاوي، من الغلاء، وإنعدام الضمائر؛ لن يحس أبداً بالفرق ولن تكون لآلة الزمن قيمة...!
فما نحتاجه ليس تغيير الفن والسينما إنما نحتاج تغيير ما بداخلنا وما حولنا من مناكر وظلم وطغيان؛ فالخيال أسهل ما يمكن أن نوهم به أنفسنا، لكن الواقع كسر كل أجنحة تخيلاتنا.

ذات الحذائين.
منتظر الزيدي هو محور حديث الكاتب هذه المرة؛ ذلك الصحفي العراقي الذي أفرغ شحنة كرهه للإحتلال والأعداء برمي حذائه في وجه الرئيس الأمريكي؛ والكاتب بطبعه لن يُفَوِّت هذه الفرصة ليتخيل ذلك الموقف لو أنه حدث في مؤتمر لرئيس عربي، ما العواقب التي ستنجم عليها؟ فبلال فضل على حق في كل ما قاله، فحكامنا لن يقفوا نفس وقفة “بوش” بعد الإنحناءة المرنة، ولن تكون رمية الحذاء تلك رمية “بريئة”، ستقام الدنيا وتقعد، ويفهمها الرئيس أنها مداهمة للقضاء على حياته؛ وسلب كرسيه الذي قبع عليه سنيناً طوالاً دون منازع.
لن تكفي الجمل لوصف الوضع فكلنا نعرفه ونعيشه، ولن نقبل أن ترمى أحذية في أوجه الإحتلال، إن لم نمنع حكامنا من ضربنا بها.

أزهى عصور التليفونات.
 من ذكاء بلال فضل ودقة ملاحظتة لم تفته أبسط الأمور دون نقدها وإبراز عيوبها وخصوصاً ماتعلق منها بالسياسة، فهو يتحدث عن مراقبة المكالمات من قبل الدولة لإكتشاف العمليات الإرهابية وقد جمع لنا كمية من السخرية على لسان صديقه الذي خاف على نفسه لكثرة إستعماله لتلفون لأغراض شخصية؛ الفكرة في الأساس سليمة لكن  ربما لم يرق لي الأسلوب المستعمل، فمهما تدنت الأوضاع و الوقائع التي نعيشها يجب دائماً أن تكون كلماتنا سامية سمو الأفكار التي تطالب بها.

إنتبه أمامك كمين.
في نفس السياق المعروف لكاتبنا الثائر على ما يراه في مجتمعه من سنين طوال، الذي طفح به الكيل من ظلم وقهر وإستغفال يشرح لنا وجهة نظره في الكمين الطرقي الذي لا يعتبر في الأصل كميناً ما دام ينبه إلى وجوده؛ فقد تعود ذلك المصريون أصبحوا مجبرين على أن يتفاجؤا ويحتاطوا ويمتثلوا لأوامر أمن الدولة؛ فالدولة هنا هي الأمر الناهي والشعب ليس عليه سوى الطاعة.
لو حذرتك حكومتك من الوقوع في كمائن مخطط لها من قبل الحاقدين الراغبين في هدم الأمن وتفكيك الوحدة، فما عليك إلا أن تحذر عزيزي المواطن رغم يقينك أن تكرار الكمين جعل منه شيء ظاهراً ومفهوماً للعيان؛ ولا يحتاج لتحليل سياسي؛ لن أقول لك عزيزي المواطن سوى إنتبه، هم يريدون أن يجعلوك مغفلاً لا تحركك إلا أوامرهم ونواهيهم.

في رثاء الكالسيوم.
سيضحكك الوصف الساخر لأسنان الكاتب فهو لا يلوم أحداً على بشاعتها سوى نفسه لتكاسله في الإهتمام بها؛ إلى أن تدهور حالها, وأصبح الكاتب يخجل من صديقه طبيب الأسنان الذي تعب في تتبعه ونصحه؛ فأسنانه لا تزيد إلا تدهوراً يوماً بعد يوم، وها قد بدأت في التساقط، فلا يذكره بنصائح صديقه سوى الألم، وهذه اللحظة التاريخية التي فقد فيها أول أضراسه فلا عزاء له سوى نقص الكلسيوم في صغره الذي يلوم عليه أمه، لكن في الأصل لا تلام الأم إذا كانت الظروف الصعبة  والفقر هما اللذان حرما أطفالنا من أن يعيشوا حياة صحية تملؤها الفيتامنات والكالسيومات.
ولا نلوم الظروف الصعبة على حالنا لأننا بدورنا تقاعسنا وتكاسلنا وأجلنا عمل اليوم إلى الغد منتظرين العصا السحرية التي تغير كل شيء قبيح في حياتنا  دون أن نغير ما بأنفسنا.

الذين خلو  وجه مصر شوارع.
مهما حاولت تقريبك من مقارنة الكاتب هنا فلن يصلك الوصف إلا حين قراءتك للعبارات التي كررت فيها  كلمة الشوارع كثيراً، فمن الشارع تعرف حال البلد، وسياسة حكامها؛ ولو عرف حاكم مصر قراءة شوارع مصر لما جلس على كرسيه طوال هذه السنين دون أن يحس بـتأنيب الضمير.

بصراحة قولي ما الفرق بينك وبين دكر البط؟
رغم أن ما شاهدته مصر من ثورة أجابت على سؤال بلال فضل في هذه الفقرة التي فجر فيها كل ما كان يلمح به في الفقرات السابقة؛ تمرد هو بدوره على كل تشبيه و إيحاء وتلميح؛ فسالك عزيزي القارئ بلغة صريحة و بسؤال شجاع،
متى كانت آخر مرة تمردت فيها؟  سؤال يهزك من داخلك فيوقِظ فيك الروح النائمة على إيقاع الحياة الروتينية والظروف التي لم نتعود أن نقول لا لأي شيء فيها؛ فلم يقلها  أبناؤنا  وأجدادنا وربونا على ألا نقولها مهما كانت حياتنا مظلمة  تمعن الكلمات عزيزي القارئ، فلن يتركك بلال فضل دون أن تفكر في التمرد على شيء صمت عليه منذ أن ولدت فلن تتحمل على نفسك أن تقارن بالحيوانات وأن يفضل عليك الحيوان الذي في نظره لا يحاسب يوم القيامة ولا يسأل عن سكوته أو خضوعه أو تذلله؛ بالتأكيد ستفكر متى أخر مرة تمردت فيها فالتمرد لا يعني العصيان والعقوق لمن تحب سواء كان وطنك أو أهلك أو حتى نفسك؛ إنما هو إصلاح لما يمكن أن يفقدك حب من تحب.

لا تدعني أتغابى عليك!
كما ستبدأ بالقراءة  ستجد نفسك كأنك تقرأ النهاية لكن بالتأكيد، لن تخرج بدون مغزى فالمهم والجميل أنك في “ضحك مجروح”  لن تمل القراءة والإكتشاف، ستمر في هذه المحطة على “الأصول” المتداول بها في تقاليدنا  وأعرافنا  إلى أصول الدولة المتاجر بها، إلى أن تجد نفسك بين مفترق طرق بين معناها  البسيط ومعناها المشعب والمبهم؛ لا تحتار فالكاتب سيخرجك من المأزق  وسيحول فكرك إلى معنى التغابي الذي عوض كل المعاني الأخرى؛ فهو القناع الذي يتدارى وراءه كل المحتالين على ثروات الوطن مهما كانت مناصبهم؛ وستعرف أن الغباء أو التغابي بمعنى أصح أصبح خبرة يتنافس كل السياسيين الذين في نفوسهم مرض على إكتسابها.

هل أنت مثلي؟
حياءنا يمنعنا في كثير من الأحيان من أن نكتب أو أن نقرأ ما لا نستطيع الكلام به أمام العامة، لكن ربما جرءة الكاتب هنا جعلته يتكلم بطلاقة عن موضوع جريء ومهم في آن واحد مصطلح “ مثلي الجنس “ لم نكن نعرفها  في مجتمعاتنا بل لم تكن مسموح بها أن تذكر في مجالسنا لكي نقبل بكل سهولة تداولها في صحفنا وإستقبالها في أعرافنا؛ ستغضب للوهلة الأولى لكنك ستغفر له عندما تعرف أن كل ما نطق به لم يكن إلا واقعاً نسمعه ونخشى من إنتشاره.

السباكون الجدد.
مع كل عنوان جديد أقف حائرة  بماذا سأبدأ، فجمال المضمون الذي يحمله النص ينسيك الكتابة و يدخلك عالم التأمل؛ لا أنكر أن بعض الألفاظ قطعت عليا رابط المتعة و الإنسجام وجعلتني أتمنى عدم وجودها لكن المعنى الذي يحاول إيصاله هنا ببساطة جميلة، حيث يتحدث عن السباكين أو بمعنى أصح عن إخطلات المهام في مجتمعاتنا وعدم فهم ما نفعله ولا نتقن ما نعمله، رغم أن ديننا الحنيف.

كتاب أوراق مغربية – يوميات صحفي في الأمكنة القديمة

من خلال صفحات هذا الكتاب سيجد القارئ تسليطا للضوء على بعض الخلفيات التاريخية لنشأة الحركات والأحزاب الإسلامية في تلك البلاد، وكيف سعى أفراد هذه الجماعات، عبر مختلف الوسائل، لإيجاد موقعهم على الساحة السياسية ولنشر فكرهم. هذا الضوء الذي سلطه القديمي على هذه الجوانب، كان يصبح أحيانا ثقيلا على القارئ غير المهتم بالتفاصيل، إلا أنه سرعان ما يعود إلى تلك الخفة والسلاسة التي كتب بها القديمي سائر صفحات أوراقه المغربية.

لا يخلو الكتاب من ذكر لبعض المشاهدات السياحية والتراثية الجميلة عن هاذين البلدين، وهي التي كتبها المؤلف بأسلوب أدبي رقراق، أضافت زخرفا جميلا لهذه الأوراق، كما احتوى الكتاب على تناول ظريف وساخر أحيانا، على الطريقة الصحافية الحديثة، لبعض المواقف والحوادث التي تعرض لها القديمي، والتي حفلت بالاسقاطات السياسية، وإن على استحياء.
خلاصة القول بأن أوراق مغربية، وهو الكتاب الصادر عن دار وجوه للنشر والتوزيع السعودية، كتاب يستحق القراءة، وأستطيع أن أنصح به ككتاب خفيف لتناوله أثناء الرحلات أو أوقات الانتظار، أو في مقهى بصحبة كوب من الشاي، أو القهوة.

عبارات من الكتاب:
“غادرتُ المغرب بعالمه المُختلف، ورجاله المختلفين، وأسئلته المختلفة. وحركته الإسلامية المتطورة، التي باتت تندفع وراء الاندماجات، فيما الحركات الإسلامية الأخرى تنقسم وتتشظى، وتتقدم باتجاه مزيد من الانفتاح والمرونة والذكاء السياسي، فيما تكتفي الحركات الأخرى بتعليق تراجعها على مشجب المؤامرة والابتلاء وتمحيص الصفوف!”

“الكاتب الصحفي الموهوب بات اليوم أندر من الخِل الوفي في الزمن الرديء”

“لا يبدو الموقف من الإسلام عند النُخب العلمانية و المؤسسات الثقافية في المغرب بذات العنف الذي نلمسه عند علمانيي المشرق العربي”

تعريف المؤلف:
نواف بن عبدالرحمن القديمي.
من مواليد الرياض بتاريخ 14 يونيو 1976م
متخرج من قسم الإعلام ـ شعبة صحافة ـ في جامعة الملك سعود بالرياض عام 2000م
مُهتم بالإسلاميات وبالفكر السياسي.
صدرت له خمسة كتب:
ـ (محاورات .. الإسلاميون وأسئلة النهضة المُعاقة) وصدر في العام 2006م عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ـ (الإسلاميون.. سجال الهوية والنهضة) وصدر في العام 2008م عن المركز الثقافي العربي.
ـ (جداريات بيروتيّة ولوحات قاهريّة.. يوميات صحفي في أزمنة التحول) وصدر في العام 2008م عن دار وهج الحياة للنشر.
ـ (أشواق الحُريّة.. مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية) وصدر في العام 2009م عن المركز الثقافي العربي.
ـ (أوراق مغربيّة.. يوميات صحفي في الأمكنة القديمة)أمأ وصدر في العام 2010م عن دار وجوه للنشر.

المصدر : موقع د.ساجد العبدلي