ساعد كتاب "التربية المثالية للأبناء" الملايين من الآباء حول العالم على تقوية علاقاتهم بأولادهم. يقدم هذا الكتاب الثوري، الذي ألفه عالم نفساني ذائع الصيت هو الدكتور هايم جينو، وصفة صريحة وعاطفية، ولكن انضباطيه في الوقت عينه، لتربية الأطفال، ويقدم تقنيات تواصل جديدة من شأنها تغيير الطرق التي يتكلم عبرها الآباء ويصغون إلى أبنائهم.
وقد أثر فكر الدكتور جينو بواسطة نهجه البنّاء في أجيال بكاملها من الخبراء في هذا الحقل. إن هذه الطرق تستطيع أن تنجح معك أيضاً.يستطيع الوالدان أن يساعدا كل ولد ليصبح إنساناً نزيهاً وشريفاً ، إنساناً يتمتع بالهدؤ، والإلتزام، والشجاعة، إنساناً تتوجه حياته بجوهر من القوة وقوانين الانصاف. للوصول إلى هذه الأهداف الإنسانية، فعلى الوالدين تعلم الطرق الانسانية. المحبة ليست كافية. البصيرة لا تكفي والأهل الصالحون يحتاجون للمهارة.
إن غاية هذا الكتاب هي شرح كيفية الوصول إلى هذه المهارة وإستعمالها. هذا الكتاب سيساعد الآباء على تحويل المبادئ المرجوة إلى ممارسات يومية.
في هذه الطبعة المنقحة، الدكتورة أليس جينو، عالمة النفس السريري وزوجة الراحل الدكتور جينو، مع خبير العلاقات العائلية الدكتور والاس غودارد، يقدمان هذا الكتاب المرجع وهو واحد من الكتب الأكثر مبيعاً إلى القرن الجديد، في وقت تمت المحافظة فيه على رسالة الكتاب الإيجابية ونداء هايم جينو الواضح. وبالرجوع إلى النظرية القائلة إن تربية الأولاد هي مهارة يمكن تعلمها، فإن هذا الكتاب الذي لا غنى عنه سوف يظهر لك ما يلي:
- الانضباط بدون تهديد، ورشوة، وتهكم، ومعاقبة.
- الانتقاد بدون استصغار، والمديح بدون إصدار أحكام، والتعبير عن الغضب بدون أذى.
- الاعتراف بمشاعر الطفل وبنباهته وآرائه بدلاً من الجدال معه.
- الاستجابة للأطفال بشكل يتعلمون معه أن يثقوا بغيرهم ويطوروا ثقتهم بأنفسهم.
محتويات الكتاب :
الفصل الأول : قواعد التواصل
الفصل الثاني: قوة الكلمات
الفصل الثالث : الأنماط المحطمة للذات
الفصل الرابع: المسؤولية
الفصل الخامس : الانضباط
الفصل السادس: تربية الأولاد الإيجابية
الفصل السابع: الغيرة
الفصل الثامن : بعضر مصادر القلق عند الاولاد
الفصل التاسع : الجنس والقيم الإنسانية
الفصل العاشر • خلاصة
وكما يحتوي الكتاب على ملحقين :
الملحق أ : كيف يمكن مساعدة الأطفال
الملحق ب : كيف يتعامل المعالجون النفسيون مع أولادهم
معلومات عن الكتاب :
اسم الكتاب: التربية المثالية للأبناء
تأليف: هايم جينو
عدد الصفحات : 242 صفحة
هذا الكتاب دليل شامل للحياة الزوجية الناجحة في جوانبها المادية والمعنوية جميعاً ، وهو لا يكاد يدع شيئاً مما يدخل في حياة الزوجين دون أن يتناوله بأصالة تعكس استبصارات نفسية سديدة وعميقة صيغت في بساطة ووضوح قلّ أن يتيسر مع هذا العمق ، فهو من هذه الناحية كتاب عامر بالخبرة ، غني بالحكمة ، حافل بالموعظة ، شامل في نظرته ، إنساني في إتجاهه وتوجيهه .
يوجهنا الكتاب إلى شيء مهم للغاية وهو : " ألا نقول " لا " للحياة أبداً ، وأن نقول لها " نعم " دائماً ، ألا نهرب منها ، بل نقبل عليها ، ألا نوليها ظهورنا بل نواجهها بكل قدراتنا وكل حبنا ؛ لأننا بذلك وبذلك وحده - يمكن أن نحيا ويمكن فقط نجعل لحياتنا قيمة وأن نستمد منها استمتاعاً وتحقيقاً وإشباعاً .
والمحور الثاني للكتاب " الحب " ، لا الحب الذي رخص من كثرة ما ابتذل ! ولكن الحب بمعنى التجاوب ، التجاوب مع الحياة عموماً ، والتجاوب مع إنسان آخر مع القدرة على تذوق الحياة من جميع جوانبها معه بصفة خاصة .
إن هذا الكتاب نفيس حقَّا بحكمته الثمينة التي لا يتعذر على إنسان أن يتبعها ، ولكنه كثيراً ما لا يفعل ؛ كتاب نفيس بتحليلاته وتوجيهاته العملية السهلة التي يغفل المرء تقدير قيمتها في زحمة ما يستغرقه من أمور الحياة ، فيغفل معها الطريق إلى المتعة الحق وإلى الإشباع والسعادة وهدوء البال .
إنه كتاب ينبغي أن يهم كل إنسان يستشعر لحياته قيمة ، وهو بصفة خاصة ينبغي أن يهم الأزواج والزوجات جميعاً .أعني أولئك الأزواج والزوجات الذين يريدون لحياتهم الزوجية أن تظل نضرة عطرة متجددة عامرة بالحب أبداً ، والذين يعودون بأنفسهم من الإنحدار إلى الرتابة والركود والذبول يوماً ما .
محتويات الكتاب :
مقدمة الترجمة العربية
مقدمة الدكتور والتر ستوكس
الفصل الأول : ليس من الضروري أن تكون صغيرا لتكون سعيداً .
الفصل الثاني : مخاوف لا أساس لها بخصوص مرحلة انقطاع الطمث .
الفصل الثالث : النساء يتحسن ّ بمرور الوقت .
الفصل الرابع : كيف تستطيعين تحقيق حياة متوازنة .
الفصل الخامس : كيف يمكنك تنمية الإحساس بالإنتماء .
الفصل السادس : الحياة الحب .. والحب الحياة .
الفصل السابع : أي نوع من الحب تبحثين عنه ؟
الفصل الثامن : فن الحب .
الفصل التاسع : الزواج ليس لكل إنسان .
الفصل العاشر : يمكن أن يبقى الحب حتى مع الزواج .
الفصل الحادي عشر : ماذا عن المرأة الأخرى .
الفصل الثاني عشر : لا يخدعنك وهم المساهمة في الزواج بقدر متساو تماما .
الفصل الثالث عشر : ليس للحب سن يقف عندها .
معلومات عن الكتاب :
اسم الكتاب : المرأة والحب
تأليف : أنَّا دانيال
ترجمة : د. كلير فهيم
الناشر: دار المعارف
عدد الصفحات: 194
يوجهنا الكتاب إلى شيء مهم للغاية وهو : " ألا نقول " لا " للحياة أبداً ، وأن نقول لها " نعم " دائماً ، ألا نهرب منها ، بل نقبل عليها ، ألا نوليها ظهورنا بل نواجهها بكل قدراتنا وكل حبنا ؛ لأننا بذلك وبذلك وحده - يمكن أن نحيا ويمكن فقط نجعل لحياتنا قيمة وأن نستمد منها استمتاعاً وتحقيقاً وإشباعاً .
والمحور الثاني للكتاب " الحب " ، لا الحب الذي رخص من كثرة ما ابتذل ! ولكن الحب بمعنى التجاوب ، التجاوب مع الحياة عموماً ، والتجاوب مع إنسان آخر مع القدرة على تذوق الحياة من جميع جوانبها معه بصفة خاصة .
إن هذا الكتاب نفيس حقَّا بحكمته الثمينة التي لا يتعذر على إنسان أن يتبعها ، ولكنه كثيراً ما لا يفعل ؛ كتاب نفيس بتحليلاته وتوجيهاته العملية السهلة التي يغفل المرء تقدير قيمتها في زحمة ما يستغرقه من أمور الحياة ، فيغفل معها الطريق إلى المتعة الحق وإلى الإشباع والسعادة وهدوء البال .
إنه كتاب ينبغي أن يهم كل إنسان يستشعر لحياته قيمة ، وهو بصفة خاصة ينبغي أن يهم الأزواج والزوجات جميعاً .أعني أولئك الأزواج والزوجات الذين يريدون لحياتهم الزوجية أن تظل نضرة عطرة متجددة عامرة بالحب أبداً ، والذين يعودون بأنفسهم من الإنحدار إلى الرتابة والركود والذبول يوماً ما .
محتويات الكتاب :
مقدمة الترجمة العربية
مقدمة الدكتور والتر ستوكس
الفصل الأول : ليس من الضروري أن تكون صغيرا لتكون سعيداً .
الفصل الثاني : مخاوف لا أساس لها بخصوص مرحلة انقطاع الطمث .
الفصل الثالث : النساء يتحسن ّ بمرور الوقت .
الفصل الرابع : كيف تستطيعين تحقيق حياة متوازنة .
الفصل الخامس : كيف يمكنك تنمية الإحساس بالإنتماء .
الفصل السادس : الحياة الحب .. والحب الحياة .
الفصل السابع : أي نوع من الحب تبحثين عنه ؟
الفصل الثامن : فن الحب .
الفصل التاسع : الزواج ليس لكل إنسان .
الفصل العاشر : يمكن أن يبقى الحب حتى مع الزواج .
الفصل الحادي عشر : ماذا عن المرأة الأخرى .
الفصل الثاني عشر : لا يخدعنك وهم المساهمة في الزواج بقدر متساو تماما .
الفصل الثالث عشر : ليس للحب سن يقف عندها .
معلومات عن الكتاب :
اسم الكتاب : المرأة والحب
تأليف : أنَّا دانيال
ترجمة : د. كلير فهيم
الناشر: دار المعارف
عدد الصفحات: 194
الكتاب واحد من اهم المؤلفات التي تشغل اهتمام الباحثين والمختصين بالعلاقات الدولية والاستراتيجية ،كونه يمثل رؤية تحليلية لمفكر من اهم المنظرين الاستراتيجين في العالم ،حيث تعد كتابات زبيغنيو بريجنسكي الذي شغل منصب مستشار الامن القومي الامريكي في عهد الرئيس كارتر من الاهمية بمكان ،بحيث لايمكن الاستغناء عنها في تحليل وتشخيص قضايا السياسة الدولية .
في كتابه رؤية استراتيجية "امريكا وازمة السلطة العالمية" ،يناقش بريجنسكي التحديات التي تواجه المكانة الامريكية في النظام الدولي ومستقبل النظام الدولي في ضوء مؤشرات تراجع الدور الامريكي وانتقال القوة العالمية من الغرب للشرق ،حيث ان عدم استغلال الولايات المتحدة الامريكية الفرصة السانحة التي وفرتها النهاية السلمية للحرب الباردة بعد زوال الخطر السوفيتي وانفراد القطب الامريكي بالعالم والذي لم يدم طويلا بفعل ادارة الرئيس جورج بوش الابن وتأثير الازمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة واوربا مقابل بروز دور القوى الاقتصادية الصاعدة التي نجحت في المزج بين سياسة التحرير الاقتصادي ورأسمالية الدولة ،كل ذلك ادى الى ظهور المخاوف على مستقبل القوة الامريكية وقيادتها للنظام الدولي .
بيد ان بريجنسكي يؤكد على حتمية القيادة الامريكية للنظام الدولي شريطة حل مشكلاتها الداخلية وتبني استراتيجية مستجيبة لمصالحها الاقليمية المختلفة ،حيث يتعين عليها ان تعزز وحدة اكبر واوسع في اوربا وصولا في اخر المطاف الى ضم روسيا وتركيا الى غرب اكثر حيوية ،اما في الشرق فلا بد لها من العمل على تحقيق التوازن والمصالحة بين قوى المنطقة الصاعدة ،وعلى تجنب التورط العسكري المباشر في صراعات القارة الاسيوية مع ادامة تحالفها مع اليابان وعلى ترسيخ علاقة تعاونية عالميا مع الصين.وللاجابة على ذلك يطرح بريجنسكي في طيات كتابه اربع تساؤلات مركزية تتمثل في :ماهي الاثار المترتبة على تغيير القوة العالمية من الغرب الى الشرق ؟وماهي اعرض انحدار امريكا اقليميا ودوليا وكيف اضاعت فرصتها في الريادة ابان الحرب الباردة ؟وماهي العواقب الجيوسياسية في اعقاب الانخفاض المتوالي لامريكا بحلول العام 2025؟وهل يمكن للصين ان تحتل مركزية دور امريكا في شؤون العالم ؟وماالذي تحتاج اليه امريكا لاستعادة نشاطها وايجاد توازن جيوسياسي جديد بعد عام 2025؟في اجابته عن السؤال الاول يخصص بريجنسكي الباب الاول من الكتاب للبحث في مااطلق عليه الغرب المتقهقرويقدم في ضور ذلك ثلاث مقاربات تتمثل الاولى في البحث في انبثاق القوة العالمية ،الذي يمثل استطراد تاريخي لظهور القوى الدولية والتي كانت اوربية في معظمها قبل القرن العشرين الى تدخل الولايات المتحدة الامريكية في الحربين العالميتين للحيلولة دون التفوق الالماني لتعلن بروز قوة جديدة متمتعة بحماية جيوسياسية جيدة ومن ثم صراع الحرب الباردة الذي انتهى بتفكك الاتحاد السوفيتي وانتصار القطب الامريكي –الغربي ،والتي لم تتمكن من الحفاظ على ذلك،ليتبلور اخيرا بتحرك القوة العالمية من الغرب لتستقر في الشرق.
امامقاربته الثانية تتحدث عن صعود اسيا وتشتت القوة العالمية،ويؤكد من خلاله بريجنسكي ان صعود اسيا يتمثل بتصاعد المكانة الاقتصادية لليابان والصين والهند ومااحدث ذلك من متغير فاعل في تراتبية القوة العالمية مصحوبا باندثار القوة الغربية –الامريكية وعدم استطاعة القوة الاوربية بريطانيا وفرنسا والمانيا العمل سويا في اطار الاتحاد الاوربي وتشكيل قوة اوربية موحدة سياسيا،حيث يظهر الاتحاد بمظهر الانقسام والتشتت بوحدته السياسية والتي لم يكن عليه الحال في الوحدة الاقتصادية فضلا عن ذلك عدم قدرة هذه القوى على تحمل مسؤولية القيادة العالمية لعدة مشكلات داخلية وخارجية .
وفي ثالث مقاربة يقدمها بريجنسكي في هذا الباب هي صدمة اليقظة السياسية العالمية ،حيث يشير الى ان العالم الان يشهد يقظة سكانية شبابية تختلف عن واقع العالم التقليدي ،اذ ان ثورة الاتصالات والمعلومات اسهمت بشكل كبير في تطور الوعي السياسي لمجمل سكان العالم ،ويمكن اعتبار الثورة الفرنسية المحطة الاولى في بروز ذلك الوعي ومااتبعها من تطورات ومتغيرات في السياسية الدولية مرورا باختراع الراديو وما صوت هتلر انذاك الا دليل واضح على ذلك ثم ظهور التلفزيون وشبكة الاتصالات ووصولا الى ظهور الانترنت وماعبر عنه من تطور كبير في عالم التواصل بين قارات العالم المترامي الاطراف ،ولم يغفل بريجنسكي على التركيز على اثر الفقر والتخلف في حياة السكان واعتبارها مناطق حاضنة للتطرف واثارة العنف ،ثم يتحدث عن دور الشباب العاطلين عن العمل الذين يعانون الفقر والظلم والاستبداد والذي انتج التغييرفي الشرق الاوسط في اشارة الى مايعرف بالربيع العربي.
اما في الباب الثاني من الكتاب فيبحث بريجنسكي في انكسار الحلم الامريكي متمثلا في اعراض انحدار امريكا اقليميا ودوليا وكل مامن شأنه ان يحدث نتيجة لتراجع الدور الامريكي في العالم،يتحدث بريجنسكي عن الحلم الامريكي المشترك من خلال قوة امريكا التي زاوجت بين المثالية والمادية فلايزال الوصول الى شواطئ امريكا يمثل حلم للكثير من الشباب في العالم الطامحين لحياة افضل وفرص عمل يوفرها واقع الفضاءات الرحبة والمفتوحة لامريكا وغياب التقاليد الاقطاعية ،فضلا عن مثالية امريكا الناتجة عن صورة النظام السياسي الامريكي المستقر وبطابعه المؤسساتي الذي حرص واضعو الدستور الامريكي على ان يبدو مثاليا براقا.
الاان بريجنسكي يبحث فيما بعد في نقاط ضعف الولايات المتحدة الامريكية ،ونقاط الضعف هي اولا معدل الدين القومي العام الذي تجاوز نسبة 60%من الناتج القومي الامريكي بينما ثانيا دين مالي مختل واما ثالثا تباين اجتماعي متعاظم ناتج عن الفرق الشاسع بين المواطنين الامريكيين في الحصول على الدخل وفيما يخص رابعا بنية تحتية متهالكة قياسا بالصين والقوى الاوربية الرئيسة واما الضعف الخامس هو هشاشة امريكا ،حيث جمهور جاهل لايعرف شئ عن جغرافية العالم والاحداث الراهنة والاحداث المحورية في تاريخ العالم واخيرا سياسة مأزومة نابعة من نظام سياسي متزايد الاختناق ومفرط في حزبيته.
ويحاول بريجنسكي تقديم مقومات القوة الامريكية التي يمكن من خلالها استعادة المكانة العالمية،وهي اولا قوة اقتصادية اجمالية حيث لايزال الاقتصاد الامريكي الاقوى في العالم بنسبة 25%من الناتج الاجمالي العالمي واما ثانيا فتمتلك امريكا طاقة ابداعية ابتكارية مستمدة من ثقافة مبادرة ومؤسسات تعليم عال متفوقة ،وفيما يخص ثالث نقاط القوة الامريكية فهو قوتها السكانية الديناميكية ،ولدى الولايات المتحدة قدرة على التعبئة التفاعلية متمثلة في قدرة صانعي القرار الاستراتيجي الامريكي على تحشيد الرأي العام الامريكي لمصالح امريكا في الخارج وهومايمكن اعتباره رابع مقومات القوة الامريكية ،اما الذخر الخامس فهو امتلاكها قاعدة جغرافية متميزة عن باقي القوى المنافسة ناتجة من موقعها الجيوسياسي المنعزل تقريبا عن العالم ووحدة سكانها وعدم معاناتها بمشكلات مع جيرانها ،اما ذخر امريكا السادس هو احتضانها باقة من القيم متمثلة في الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان.
يختتم بريجنسكي الباب الثاني بالحديث عن حرب امريكا الامبريالية الطويلة والتي جاءت في اطار الحرب على الارهاب ضد كل من افغانستان والعراق والتي كانت مع حلول عام 2010 اطول حربين في تاريخ امريكا ،ومانتج عن ذلك من انعكاسات سلبية على مكانة امريكا في العالم والتي جسدتها الازمة الاقتصادية في اوضح صورة لها .
وفي الباب الثالث من الكتاب يجادل بريجنسكي بشأن عالم مابعد امريكا بحلول عام 2025والذي يستشرفه عالما ليس صينيا وانما فوضويا،فمن غير الممكن تصور بروز قوة كبرى تكون لهامقومات قيادة سياسية وعسكرية واقتصادية وهو مالايتوافر في القوى المرشحة فاليابان لاغنى لها عن التحالف الامني الاستراتيجي الامريكي والهند مرتبطة اقتصادياوسياسيا بالولايات المتحدة اما روسيا فماتزال تبحث عن اعادة السيطرة على مجالها الحيوي في الجمهوريات السوفيتية السابقة ،واما فيما يخص دول الاتحاد الاوربي فهي بعيدة عن امكانية توحيد سياسي ،واما الصين فمشكلاتها الداخلية الاجتماعية وطابعهاالسكاني الانفجاري وخلافاتها مع جيرانها تمنعها من انتاج قوة عالمية تتطلع لقيادة النظام الدولي .
ثم يتناول بريجنسكي الدول الاكثر تعرض للخطر الجيوسياسي في حالة تراجع دورامريكا وستظهر قائمة من الدول مثل اوكرانيا المهددة بالابتلاع من قبل روسيا ،وتايوان الذي تسند في وجودها على الضمانات الامريكية والذي اذا ماحدث اي تراجع فستصبح منطقة نفوذ صينية بلامنازع ،وكوريا الجنوبية التي تعاني صراعهامع كوريا الشمالية بسبب تمايزهما الاقتصادي،حيث سيؤدي اي تراجع امريكي الى تهديد امنها القومي بشكل لم يسبق له مثيل ،واما بيلاروسيا فهي تتمتع بعلاقات ايجابية مع روسيا بيد ان اي تراجع امريكي من شأنه ان يقدم فرصة امنة لروسيا لابتلاع بيلاروسيا بحد ادنى من استعمال القوة،واذاما تحققت الخطوة السابقة بنجاح تصبح اوكرانيا في بوتقة القوة الروسية الجديدة وماهو يعيد القلق من امكانية اعادة تشكيل الهيمنة الروسية على مناطق شرق ووسط اوربا.كما ان اي تراجع لدور امريكا في العالم يمكن ان تصبح افغانستان بموجبه موقع لتنافس باكستاني هندي ايراني كما يمكن في الوقت نفسه ان تعود افغانستان لتكون قاعدة ليس لتصدير المخدرات وانما ملاذا امنا للارهاب الدولي ،ولعل الحال ينطبق كذلك على باكستان التي قد تكون فريسة لنزاع هندي صيني يهدد الاستقرارفي المنطقة ،واخيرا فأن ابرز منطقة يمكن رؤية حدوث اكبر اظطرابات فيها هي الشرق الاوسط والذي سينتج عن تدهور دور امريكا عدم امكانية انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وتبدد حل الدولتين وامكانية صدام مباشر بين الحركات الاسلامية حماس وحزب الله المدعومة من ايران ضد اسرائيل .
كمايذهب بريجنسكي الى الاعتقاد بنهاية حسن الجوار الامريكي مع المكسيك بسبب عدة عوامل ابرزها المشكلات الناتجة من هجرة اعداد كبيرة من المكسيكين الى امريكا بطريقة غير شرعية وهو مااسهم بتعقد العلاقات نتيجة لذلك والذي دفع الحكومة الامريكية لبناء جدار عازل على حدودها مع المكسيك فضلاعن ازدياد مشكلة نقل المخدرات من المكسيك الى امريكا.
يختتم بريجنسكي الباب الثالث من الكتاب في تناول المشاعات العالمية غير المشتركة والتي تقسم الى الاستراتيجة والبيئية،تشمل الاستراتيجية البحر والهواء والفضاء والميدان النووي ،اما المساحات البيئية تشمل المضاعفات الجيوسياسية لادارة الموارد المائية والمحيط المنجمد الشمالي وقضايا التبدل المناخي. ويؤكد انه فيما يتعلق بالمشاعات الاستراتيجة من الصعوبة الوصول الى اتفاق بين القوى الدولية المتنافسة لادارتها بسبب تباين المصالح اضافة الى ان معظم هذه المشاعات تقع تحت السيطرة الامريكية وحتى مع تراجع دور امريكا فأنها لن تستغني عن امتيازاتها لصالح القوى الاخرى ، وسيسهم ذلك في سباق نووي واخر للوصول الى الفضاء ممايجعل ذلك العالم يبدو اكثر فوضوية .اما فيما يخص المشاعات البيئية فأن العالم سيدخل في صراعات طويلة بسبب ندرة الموارد والمياه ،كما ان قضايا التحول المناخي تحظى من الاهمية بمكان ،بحيث لايمكن تجاوزها في تحليل ودراسة مستقبل النظام الدولي وابرزها الخلافات الدولية حول تحمل نفقات ادارة هذه الملف ومن ذلك ان الصين التي تنتج اكبر قدر من الانبعاثات الغازية الى العالم بنسبة 21%بيد انها ترفض الاظطلاع بدور الريادة في قضايا تغيير المناخ ،فضلا عن الصراع على ملكية المحيط المنجمد الشمالي في حال ذوبانه ومايحويه من النفط والغاز والمعادن التي تطل عليه خمس دول وهي امريكا وروسيا وكندا والدانمارك والنروج .
اما في الباب الرابع من الكتاب يتصور بريجنسكي واقعا دوليا مابعد عام 2025تتمثل ابعاده في توازن جيوسياسي جديدوتنبع تلك الرؤية الاستشرافية من رؤية هشاشة اوراسيا فيحدد بريجنسكي رؤيته الاستراتيجية لامكانية استعادة الولايات المتحدة الامريكية لمكانتها الدولية من خلال توجهاتها الجديدة والتي تتحقق اول ابعادها عبرانشاء غرب اوسع ودناميكي وحيوي ،يستفاد من اوربا المتجددة ويوسع حددودها،وذلك بضم روسيا وتركيا بتجربتهما المختلفتين وبرؤيتهما المتباينتين .
اماثاني ابعادها فأنها تتمثل في شرق جديد مستقر ومتعاون ويوصي بريجنسكي بتحقيق ذلك من خلال ضم الصين بفلسفتها التنموية الجديدة والهند كديموقراطية اكبر وادامة التحالف مع اليابان وكوريا ويرى في الصين اساسية في تحقيق الاستقرار ولايمكن الاستغناء عن دورها.
وفي الخاتمة فأن كتاب رؤية استراتيجية لبريجنسكي يمثل اهمية كبيرة كونه يقدم مقاربة غنية وجادة من خلال رؤية تحليلية استشرافية لدراسة امكانية تغلب امريكا على نقاط ضعفها وحل مشكلاتها الداخلية باستراتيجية مستجيبة لمصالحها الاقليمية المختلفة من اجل استعادة الولايات المتحدة الامريكية لمكانتها العالمية .
المصدر:
محمد معزز الحديثي
الحوار المتمدن-العدد: 4311 - 2013 / 12 / 20 - 20:57
معلومات عن الكتاب :
اسم الكتاب : رؤية استراتيجية :امريكا وازمة السلطة العالمية
تأليف : زبيغنيو بريجنسكي
الناشر/دار الكتاب العربي/بيروت
الطبعة الاولى /2012
عدد الصفحات/222
في كتابه رؤية استراتيجية "امريكا وازمة السلطة العالمية" ،يناقش بريجنسكي التحديات التي تواجه المكانة الامريكية في النظام الدولي ومستقبل النظام الدولي في ضوء مؤشرات تراجع الدور الامريكي وانتقال القوة العالمية من الغرب للشرق ،حيث ان عدم استغلال الولايات المتحدة الامريكية الفرصة السانحة التي وفرتها النهاية السلمية للحرب الباردة بعد زوال الخطر السوفيتي وانفراد القطب الامريكي بالعالم والذي لم يدم طويلا بفعل ادارة الرئيس جورج بوش الابن وتأثير الازمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة واوربا مقابل بروز دور القوى الاقتصادية الصاعدة التي نجحت في المزج بين سياسة التحرير الاقتصادي ورأسمالية الدولة ،كل ذلك ادى الى ظهور المخاوف على مستقبل القوة الامريكية وقيادتها للنظام الدولي .
بيد ان بريجنسكي يؤكد على حتمية القيادة الامريكية للنظام الدولي شريطة حل مشكلاتها الداخلية وتبني استراتيجية مستجيبة لمصالحها الاقليمية المختلفة ،حيث يتعين عليها ان تعزز وحدة اكبر واوسع في اوربا وصولا في اخر المطاف الى ضم روسيا وتركيا الى غرب اكثر حيوية ،اما في الشرق فلا بد لها من العمل على تحقيق التوازن والمصالحة بين قوى المنطقة الصاعدة ،وعلى تجنب التورط العسكري المباشر في صراعات القارة الاسيوية مع ادامة تحالفها مع اليابان وعلى ترسيخ علاقة تعاونية عالميا مع الصين.وللاجابة على ذلك يطرح بريجنسكي في طيات كتابه اربع تساؤلات مركزية تتمثل في :ماهي الاثار المترتبة على تغيير القوة العالمية من الغرب الى الشرق ؟وماهي اعرض انحدار امريكا اقليميا ودوليا وكيف اضاعت فرصتها في الريادة ابان الحرب الباردة ؟وماهي العواقب الجيوسياسية في اعقاب الانخفاض المتوالي لامريكا بحلول العام 2025؟وهل يمكن للصين ان تحتل مركزية دور امريكا في شؤون العالم ؟وماالذي تحتاج اليه امريكا لاستعادة نشاطها وايجاد توازن جيوسياسي جديد بعد عام 2025؟في اجابته عن السؤال الاول يخصص بريجنسكي الباب الاول من الكتاب للبحث في مااطلق عليه الغرب المتقهقرويقدم في ضور ذلك ثلاث مقاربات تتمثل الاولى في البحث في انبثاق القوة العالمية ،الذي يمثل استطراد تاريخي لظهور القوى الدولية والتي كانت اوربية في معظمها قبل القرن العشرين الى تدخل الولايات المتحدة الامريكية في الحربين العالميتين للحيلولة دون التفوق الالماني لتعلن بروز قوة جديدة متمتعة بحماية جيوسياسية جيدة ومن ثم صراع الحرب الباردة الذي انتهى بتفكك الاتحاد السوفيتي وانتصار القطب الامريكي –الغربي ،والتي لم تتمكن من الحفاظ على ذلك،ليتبلور اخيرا بتحرك القوة العالمية من الغرب لتستقر في الشرق.
امامقاربته الثانية تتحدث عن صعود اسيا وتشتت القوة العالمية،ويؤكد من خلاله بريجنسكي ان صعود اسيا يتمثل بتصاعد المكانة الاقتصادية لليابان والصين والهند ومااحدث ذلك من متغير فاعل في تراتبية القوة العالمية مصحوبا باندثار القوة الغربية –الامريكية وعدم استطاعة القوة الاوربية بريطانيا وفرنسا والمانيا العمل سويا في اطار الاتحاد الاوربي وتشكيل قوة اوربية موحدة سياسيا،حيث يظهر الاتحاد بمظهر الانقسام والتشتت بوحدته السياسية والتي لم يكن عليه الحال في الوحدة الاقتصادية فضلا عن ذلك عدم قدرة هذه القوى على تحمل مسؤولية القيادة العالمية لعدة مشكلات داخلية وخارجية .
وفي ثالث مقاربة يقدمها بريجنسكي في هذا الباب هي صدمة اليقظة السياسية العالمية ،حيث يشير الى ان العالم الان يشهد يقظة سكانية شبابية تختلف عن واقع العالم التقليدي ،اذ ان ثورة الاتصالات والمعلومات اسهمت بشكل كبير في تطور الوعي السياسي لمجمل سكان العالم ،ويمكن اعتبار الثورة الفرنسية المحطة الاولى في بروز ذلك الوعي ومااتبعها من تطورات ومتغيرات في السياسية الدولية مرورا باختراع الراديو وما صوت هتلر انذاك الا دليل واضح على ذلك ثم ظهور التلفزيون وشبكة الاتصالات ووصولا الى ظهور الانترنت وماعبر عنه من تطور كبير في عالم التواصل بين قارات العالم المترامي الاطراف ،ولم يغفل بريجنسكي على التركيز على اثر الفقر والتخلف في حياة السكان واعتبارها مناطق حاضنة للتطرف واثارة العنف ،ثم يتحدث عن دور الشباب العاطلين عن العمل الذين يعانون الفقر والظلم والاستبداد والذي انتج التغييرفي الشرق الاوسط في اشارة الى مايعرف بالربيع العربي.
اما في الباب الثاني من الكتاب فيبحث بريجنسكي في انكسار الحلم الامريكي متمثلا في اعراض انحدار امريكا اقليميا ودوليا وكل مامن شأنه ان يحدث نتيجة لتراجع الدور الامريكي في العالم،يتحدث بريجنسكي عن الحلم الامريكي المشترك من خلال قوة امريكا التي زاوجت بين المثالية والمادية فلايزال الوصول الى شواطئ امريكا يمثل حلم للكثير من الشباب في العالم الطامحين لحياة افضل وفرص عمل يوفرها واقع الفضاءات الرحبة والمفتوحة لامريكا وغياب التقاليد الاقطاعية ،فضلا عن مثالية امريكا الناتجة عن صورة النظام السياسي الامريكي المستقر وبطابعه المؤسساتي الذي حرص واضعو الدستور الامريكي على ان يبدو مثاليا براقا.
الاان بريجنسكي يبحث فيما بعد في نقاط ضعف الولايات المتحدة الامريكية ،ونقاط الضعف هي اولا معدل الدين القومي العام الذي تجاوز نسبة 60%من الناتج القومي الامريكي بينما ثانيا دين مالي مختل واما ثالثا تباين اجتماعي متعاظم ناتج عن الفرق الشاسع بين المواطنين الامريكيين في الحصول على الدخل وفيما يخص رابعا بنية تحتية متهالكة قياسا بالصين والقوى الاوربية الرئيسة واما الضعف الخامس هو هشاشة امريكا ،حيث جمهور جاهل لايعرف شئ عن جغرافية العالم والاحداث الراهنة والاحداث المحورية في تاريخ العالم واخيرا سياسة مأزومة نابعة من نظام سياسي متزايد الاختناق ومفرط في حزبيته.
ويحاول بريجنسكي تقديم مقومات القوة الامريكية التي يمكن من خلالها استعادة المكانة العالمية،وهي اولا قوة اقتصادية اجمالية حيث لايزال الاقتصاد الامريكي الاقوى في العالم بنسبة 25%من الناتج الاجمالي العالمي واما ثانيا فتمتلك امريكا طاقة ابداعية ابتكارية مستمدة من ثقافة مبادرة ومؤسسات تعليم عال متفوقة ،وفيما يخص ثالث نقاط القوة الامريكية فهو قوتها السكانية الديناميكية ،ولدى الولايات المتحدة قدرة على التعبئة التفاعلية متمثلة في قدرة صانعي القرار الاستراتيجي الامريكي على تحشيد الرأي العام الامريكي لمصالح امريكا في الخارج وهومايمكن اعتباره رابع مقومات القوة الامريكية ،اما الذخر الخامس فهو امتلاكها قاعدة جغرافية متميزة عن باقي القوى المنافسة ناتجة من موقعها الجيوسياسي المنعزل تقريبا عن العالم ووحدة سكانها وعدم معاناتها بمشكلات مع جيرانها ،اما ذخر امريكا السادس هو احتضانها باقة من القيم متمثلة في الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان.
يختتم بريجنسكي الباب الثاني بالحديث عن حرب امريكا الامبريالية الطويلة والتي جاءت في اطار الحرب على الارهاب ضد كل من افغانستان والعراق والتي كانت مع حلول عام 2010 اطول حربين في تاريخ امريكا ،ومانتج عن ذلك من انعكاسات سلبية على مكانة امريكا في العالم والتي جسدتها الازمة الاقتصادية في اوضح صورة لها .
وفي الباب الثالث من الكتاب يجادل بريجنسكي بشأن عالم مابعد امريكا بحلول عام 2025والذي يستشرفه عالما ليس صينيا وانما فوضويا،فمن غير الممكن تصور بروز قوة كبرى تكون لهامقومات قيادة سياسية وعسكرية واقتصادية وهو مالايتوافر في القوى المرشحة فاليابان لاغنى لها عن التحالف الامني الاستراتيجي الامريكي والهند مرتبطة اقتصادياوسياسيا بالولايات المتحدة اما روسيا فماتزال تبحث عن اعادة السيطرة على مجالها الحيوي في الجمهوريات السوفيتية السابقة ،واما فيما يخص دول الاتحاد الاوربي فهي بعيدة عن امكانية توحيد سياسي ،واما الصين فمشكلاتها الداخلية الاجتماعية وطابعهاالسكاني الانفجاري وخلافاتها مع جيرانها تمنعها من انتاج قوة عالمية تتطلع لقيادة النظام الدولي .
ثم يتناول بريجنسكي الدول الاكثر تعرض للخطر الجيوسياسي في حالة تراجع دورامريكا وستظهر قائمة من الدول مثل اوكرانيا المهددة بالابتلاع من قبل روسيا ،وتايوان الذي تسند في وجودها على الضمانات الامريكية والذي اذا ماحدث اي تراجع فستصبح منطقة نفوذ صينية بلامنازع ،وكوريا الجنوبية التي تعاني صراعهامع كوريا الشمالية بسبب تمايزهما الاقتصادي،حيث سيؤدي اي تراجع امريكي الى تهديد امنها القومي بشكل لم يسبق له مثيل ،واما بيلاروسيا فهي تتمتع بعلاقات ايجابية مع روسيا بيد ان اي تراجع امريكي من شأنه ان يقدم فرصة امنة لروسيا لابتلاع بيلاروسيا بحد ادنى من استعمال القوة،واذاما تحققت الخطوة السابقة بنجاح تصبح اوكرانيا في بوتقة القوة الروسية الجديدة وماهو يعيد القلق من امكانية اعادة تشكيل الهيمنة الروسية على مناطق شرق ووسط اوربا.كما ان اي تراجع لدور امريكا في العالم يمكن ان تصبح افغانستان بموجبه موقع لتنافس باكستاني هندي ايراني كما يمكن في الوقت نفسه ان تعود افغانستان لتكون قاعدة ليس لتصدير المخدرات وانما ملاذا امنا للارهاب الدولي ،ولعل الحال ينطبق كذلك على باكستان التي قد تكون فريسة لنزاع هندي صيني يهدد الاستقرارفي المنطقة ،واخيرا فأن ابرز منطقة يمكن رؤية حدوث اكبر اظطرابات فيها هي الشرق الاوسط والذي سينتج عن تدهور دور امريكا عدم امكانية انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وتبدد حل الدولتين وامكانية صدام مباشر بين الحركات الاسلامية حماس وحزب الله المدعومة من ايران ضد اسرائيل .
كمايذهب بريجنسكي الى الاعتقاد بنهاية حسن الجوار الامريكي مع المكسيك بسبب عدة عوامل ابرزها المشكلات الناتجة من هجرة اعداد كبيرة من المكسيكين الى امريكا بطريقة غير شرعية وهو مااسهم بتعقد العلاقات نتيجة لذلك والذي دفع الحكومة الامريكية لبناء جدار عازل على حدودها مع المكسيك فضلاعن ازدياد مشكلة نقل المخدرات من المكسيك الى امريكا.
يختتم بريجنسكي الباب الثالث من الكتاب في تناول المشاعات العالمية غير المشتركة والتي تقسم الى الاستراتيجة والبيئية،تشمل الاستراتيجية البحر والهواء والفضاء والميدان النووي ،اما المساحات البيئية تشمل المضاعفات الجيوسياسية لادارة الموارد المائية والمحيط المنجمد الشمالي وقضايا التبدل المناخي. ويؤكد انه فيما يتعلق بالمشاعات الاستراتيجة من الصعوبة الوصول الى اتفاق بين القوى الدولية المتنافسة لادارتها بسبب تباين المصالح اضافة الى ان معظم هذه المشاعات تقع تحت السيطرة الامريكية وحتى مع تراجع دور امريكا فأنها لن تستغني عن امتيازاتها لصالح القوى الاخرى ، وسيسهم ذلك في سباق نووي واخر للوصول الى الفضاء ممايجعل ذلك العالم يبدو اكثر فوضوية .اما فيما يخص المشاعات البيئية فأن العالم سيدخل في صراعات طويلة بسبب ندرة الموارد والمياه ،كما ان قضايا التحول المناخي تحظى من الاهمية بمكان ،بحيث لايمكن تجاوزها في تحليل ودراسة مستقبل النظام الدولي وابرزها الخلافات الدولية حول تحمل نفقات ادارة هذه الملف ومن ذلك ان الصين التي تنتج اكبر قدر من الانبعاثات الغازية الى العالم بنسبة 21%بيد انها ترفض الاظطلاع بدور الريادة في قضايا تغيير المناخ ،فضلا عن الصراع على ملكية المحيط المنجمد الشمالي في حال ذوبانه ومايحويه من النفط والغاز والمعادن التي تطل عليه خمس دول وهي امريكا وروسيا وكندا والدانمارك والنروج .
اما في الباب الرابع من الكتاب يتصور بريجنسكي واقعا دوليا مابعد عام 2025تتمثل ابعاده في توازن جيوسياسي جديدوتنبع تلك الرؤية الاستشرافية من رؤية هشاشة اوراسيا فيحدد بريجنسكي رؤيته الاستراتيجية لامكانية استعادة الولايات المتحدة الامريكية لمكانتها الدولية من خلال توجهاتها الجديدة والتي تتحقق اول ابعادها عبرانشاء غرب اوسع ودناميكي وحيوي ،يستفاد من اوربا المتجددة ويوسع حددودها،وذلك بضم روسيا وتركيا بتجربتهما المختلفتين وبرؤيتهما المتباينتين .
اماثاني ابعادها فأنها تتمثل في شرق جديد مستقر ومتعاون ويوصي بريجنسكي بتحقيق ذلك من خلال ضم الصين بفلسفتها التنموية الجديدة والهند كديموقراطية اكبر وادامة التحالف مع اليابان وكوريا ويرى في الصين اساسية في تحقيق الاستقرار ولايمكن الاستغناء عن دورها.
وفي الخاتمة فأن كتاب رؤية استراتيجية لبريجنسكي يمثل اهمية كبيرة كونه يقدم مقاربة غنية وجادة من خلال رؤية تحليلية استشرافية لدراسة امكانية تغلب امريكا على نقاط ضعفها وحل مشكلاتها الداخلية باستراتيجية مستجيبة لمصالحها الاقليمية المختلفة من اجل استعادة الولايات المتحدة الامريكية لمكانتها العالمية .
المصدر:
محمد معزز الحديثي
الحوار المتمدن-العدد: 4311 - 2013 / 12 / 20 - 20:57
معلومات عن الكتاب :
اسم الكتاب : رؤية استراتيجية :امريكا وازمة السلطة العالمية
تأليف : زبيغنيو بريجنسكي
الناشر/دار الكتاب العربي/بيروت
الطبعة الاولى /2012
عدد الصفحات/222
"ما بعد الظلام" هي الرواية السادسة والأحدث التي تُترجم إلي اللغة العربية للكاتب الياباني "هاروكي موراكامي"، ولا شك أن محبّي "موراكامي" ينتظرون بلهفة أن تُترجم له إحدي رواياته الأخيرة ، لكن هذا لن يمنعهم من الولوج إلي عوالمه عبر هذه الرواية التي بين أيدينا.
تنطلق الرواية بنظام الفواصل الزمنية، علي مدار سبع ساعات، في شخصيات تجوب ليل "طوكيو"؛ حاملة معها ما هو أكثر من الأرق والأسرار. "تتسويا تكاهاشي"، عازف ترومبون، له طبيعة مسالمة، يحمل اسماً عادياً، يعزف علي آلة غير شعبية، يتساءل متهمكاً إذا ما كان عازفو الروك قد حققوا شهرتهم عبر تكسير آلات الترومبون علي المسرح أمام المستمعين. لا شيء يميزه سوي نحافته غير الطبيعية وعشقه للحليب وكعك السمك.
يسعي "تكاهاشي" إلي مد جسور الحوار مع "ماري إساي"؛ الشقيقة الصغري لزميلته الدراسية "إيري" واللتين خرج معهما في موعد منذ أربع سنوات، يذكر أمام "ماري" تفاصيل شديدة الصغر مثل تناولها في هذا الموعد آيس كريم بالخوخ والتوت، وصمتها طيلة الوقت، وعدم الاهتمام بمظهرها وجمالها مقارنة بشقيقتها "إيري"؛ التي ظهرت صورها في عدد من مجلات المراهقين، كنجمة للأناقة والجمال.
يفتح لنا "موراكامي" من هذا الخيط، تنويعات متشعبة للمزيد من الشخصيات الليلية: "كاورو" التي تدير فندقاً للعشاق بعد أن اعتزلت لعب المصارعة النسائية في شبابها، "شيراكاوا" الرجل الأنيق المتزوج الذي يضطره عمله للتأخر ساعات في حلكة الليل، لا يبدو علي هذه الشخصية ما يوحي بأنه سيضرب عاهرة صينية في فندق للعشاق قبل أن يسرق نقودها ويفر، لكن هذا هو ما فعله بالضبط، و"كوروجي" التي تعمل بهذا الفندق، وتتخفي تحت اسم مستعار هرباً من أناس يطاردونها وأبعدوها عن أسرتها ومدينتها.
ينسج "موراكامي" قصص أبطاله في إطار من الواقعية السحرية. في الواقع، لا تبدو كلمة "الواقعية السحرية" ملائمة تماماً لخلطة "موراكامي"، إذ أنه لا يسعي إلي استحضار عناصر فانتازية في سياق الواقع لبلورة أحداث تتناغم مع غلاف رقيق من السحر، بل إنه علي العكس، يسعي إلي رسم أبعاد العالم الميتافيزيقي كعالم موازٍ للواقع، لا يتداخلان ولا يتأثران إلا في نقاط تماسٍ تنفرج بشكل غير ملحوظ خلال ظلمة منتصف الليل وحتي انبلاج الصباح.
لدينا مثلاً "إيري إساي"، أو سنووايت كما تسميها أختها "ماري". منذ شهرين، وبينما كانت تتعشي مع عائلتها، أخبرتهم أنها بحاجة إلي النوم. دلفت لتنام في غرفتها ولم تستيقظ إلي الآن. لم تسقط في غيبوبة، ومؤشراتها الحيوية تبدو علي يرام، وأي أكل يدخل إلي غرفتها يختفي في اليوم التالي؛ فلا تحتاج إلي تغذية وريدية. هي بالتأكيد تصحو من نومها لدقائق كي تمارس ما يحفظ لها حياتها إلي الحد الأدني. لم يجد طبيب الأعصاب تفسيراً واقعياً لهذا النوم الساكن المتواصل الذي لا نظير له، بينما قال الطبيب النفسي بأنها إذا كانت تحتاج إلي النوم فمن الأفضل ألا تتجه أسرتها إلي إيقاظها بالقوة، هي فقط لا ترغب في الاستيقاظ.
أين تذهب "إيري"؟ لم تعد شقيقتها "ماري" تحتمل أن تجلس في المنزل، لذلك تتجه صوب الشوارع المفتوحة في الليل حتي يهدها التعب في الصباح؛ تتذكر في الماضي عندما انقطع الكهرباء عن المصعد في طفولتهما، لم تكن قد أكملت الخامسة من عمرها بعد، ووجدت نفسها محاصرة في ظلام دامس، وذعرها يمنع صوتها من الخروج، بينما كانت "إيري" محبوسة معها في المصعد، كانت تكبرها بسنة واحدة إلا أنها تصرفت كالبالغين، احتضنتها حتي صارا جسداً واحداً، هذه اللحظة من القرب التي لم تجربها مع شقيقتها بعد ذلك أبداً، هذه اللحظة من القرب التي تتمني أن تمنحها لشقيقتها حتي تستيقظ من سباتها.
قد يظن البعض أن بعضاً من "لا جدوي الوجود" يكتنف الرواية. لا أري ذلك. لا تبحث شخوص الرواية عن مسببات ونتائج، ولا يحاولون تبرير "اللامنطق" الذي يملأ العالم. كل الشخوص تبدو متجاوزة لهذه الأسئلة الوجودية، هناك قدر كبير من الهشاشة يحيط بالزمن الذي يتحركون فيه، هذه الهشاشة تنعكس في روتينهم وتآلفهم معه. بينما يشير الكاتب إلي توقيت الساعة بمنتهي الصرامة علي طول الرواية، فإن شخوصه تفعل العكس بالضبط:
" يوشك النهار الجديد أن يطلع، ولكن النهار القديم لم يزل يجرجر أذياله الثقيلة. ومثلما تُصارع مياهُ المحيط مياهَ النهر عند المصب، فهكذا يتصادم الزمن القديم والزمن الجديد ويمتزجان. وليس بمقدور تكاهاشي أن يحدد علي وجه اليقين في أي جانب وأي عالم يوجد مركز جاذبيته".
تحدث تكاهاشي في الرواية عن رغبته في دراسة القانون، عن المحاكمات التي حضرها والتي أشعرته بأن هناك جداراً ورقياً رقيقاً يفصل بين الناس الطبيعيين وبين المجرمين، عن الكائن البحري؛ أخطبوط عملاق يمتلك أذرعاً طويلة يسيطر بها علينا جميعاً، قد يسميه البعض "نظاماً" أو "دولة"، لكن لا أحد يستطيع الإفلات منه، مهما ذهب بعيداً وشعر باليأس أو الذنب، فهذا الكائن لا يعبأ بك أو بأحد، ففي ظل وجوده يفقد البشر أسماءهم ووجوههم، ويتحولون إلي علامات وأرقام.
أعتقد أن كل بطل في الرواية يحمل داخله مثل هذا الكائن البحري، بعضهم يتجاهله، والآخر يهرب منه، قد يتخذ شكلاً ملموساً مثل عصابة مطارِدة، أو شكلاً غير محسوس مثل الظلمة، هم لا يحاولون مقاومته أو التمرد عليه، فقط يرون الحل في الهروب، وانتظار الساعات الطويلة في الشوارع حتي انجلاء الظلام ببطء.
المصدر: أخبار الأدب
بقلم : حسام دياب
تنطلق الرواية بنظام الفواصل الزمنية، علي مدار سبع ساعات، في شخصيات تجوب ليل "طوكيو"؛ حاملة معها ما هو أكثر من الأرق والأسرار. "تتسويا تكاهاشي"، عازف ترومبون، له طبيعة مسالمة، يحمل اسماً عادياً، يعزف علي آلة غير شعبية، يتساءل متهمكاً إذا ما كان عازفو الروك قد حققوا شهرتهم عبر تكسير آلات الترومبون علي المسرح أمام المستمعين. لا شيء يميزه سوي نحافته غير الطبيعية وعشقه للحليب وكعك السمك.يسعي "تكاهاشي" إلي مد جسور الحوار مع "ماري إساي"؛ الشقيقة الصغري لزميلته الدراسية "إيري" واللتين خرج معهما في موعد منذ أربع سنوات، يذكر أمام "ماري" تفاصيل شديدة الصغر مثل تناولها في هذا الموعد آيس كريم بالخوخ والتوت، وصمتها طيلة الوقت، وعدم الاهتمام بمظهرها وجمالها مقارنة بشقيقتها "إيري"؛ التي ظهرت صورها في عدد من مجلات المراهقين، كنجمة للأناقة والجمال.
يفتح لنا "موراكامي" من هذا الخيط، تنويعات متشعبة للمزيد من الشخصيات الليلية: "كاورو" التي تدير فندقاً للعشاق بعد أن اعتزلت لعب المصارعة النسائية في شبابها، "شيراكاوا" الرجل الأنيق المتزوج الذي يضطره عمله للتأخر ساعات في حلكة الليل، لا يبدو علي هذه الشخصية ما يوحي بأنه سيضرب عاهرة صينية في فندق للعشاق قبل أن يسرق نقودها ويفر، لكن هذا هو ما فعله بالضبط، و"كوروجي" التي تعمل بهذا الفندق، وتتخفي تحت اسم مستعار هرباً من أناس يطاردونها وأبعدوها عن أسرتها ومدينتها.
ينسج "موراكامي" قصص أبطاله في إطار من الواقعية السحرية. في الواقع، لا تبدو كلمة "الواقعية السحرية" ملائمة تماماً لخلطة "موراكامي"، إذ أنه لا يسعي إلي استحضار عناصر فانتازية في سياق الواقع لبلورة أحداث تتناغم مع غلاف رقيق من السحر، بل إنه علي العكس، يسعي إلي رسم أبعاد العالم الميتافيزيقي كعالم موازٍ للواقع، لا يتداخلان ولا يتأثران إلا في نقاط تماسٍ تنفرج بشكل غير ملحوظ خلال ظلمة منتصف الليل وحتي انبلاج الصباح.
لدينا مثلاً "إيري إساي"، أو سنووايت كما تسميها أختها "ماري". منذ شهرين، وبينما كانت تتعشي مع عائلتها، أخبرتهم أنها بحاجة إلي النوم. دلفت لتنام في غرفتها ولم تستيقظ إلي الآن. لم تسقط في غيبوبة، ومؤشراتها الحيوية تبدو علي يرام، وأي أكل يدخل إلي غرفتها يختفي في اليوم التالي؛ فلا تحتاج إلي تغذية وريدية. هي بالتأكيد تصحو من نومها لدقائق كي تمارس ما يحفظ لها حياتها إلي الحد الأدني. لم يجد طبيب الأعصاب تفسيراً واقعياً لهذا النوم الساكن المتواصل الذي لا نظير له، بينما قال الطبيب النفسي بأنها إذا كانت تحتاج إلي النوم فمن الأفضل ألا تتجه أسرتها إلي إيقاظها بالقوة، هي فقط لا ترغب في الاستيقاظ.
أين تذهب "إيري"؟ لم تعد شقيقتها "ماري" تحتمل أن تجلس في المنزل، لذلك تتجه صوب الشوارع المفتوحة في الليل حتي يهدها التعب في الصباح؛ تتذكر في الماضي عندما انقطع الكهرباء عن المصعد في طفولتهما، لم تكن قد أكملت الخامسة من عمرها بعد، ووجدت نفسها محاصرة في ظلام دامس، وذعرها يمنع صوتها من الخروج، بينما كانت "إيري" محبوسة معها في المصعد، كانت تكبرها بسنة واحدة إلا أنها تصرفت كالبالغين، احتضنتها حتي صارا جسداً واحداً، هذه اللحظة من القرب التي لم تجربها مع شقيقتها بعد ذلك أبداً، هذه اللحظة من القرب التي تتمني أن تمنحها لشقيقتها حتي تستيقظ من سباتها.
قد يظن البعض أن بعضاً من "لا جدوي الوجود" يكتنف الرواية. لا أري ذلك. لا تبحث شخوص الرواية عن مسببات ونتائج، ولا يحاولون تبرير "اللامنطق" الذي يملأ العالم. كل الشخوص تبدو متجاوزة لهذه الأسئلة الوجودية، هناك قدر كبير من الهشاشة يحيط بالزمن الذي يتحركون فيه، هذه الهشاشة تنعكس في روتينهم وتآلفهم معه. بينما يشير الكاتب إلي توقيت الساعة بمنتهي الصرامة علي طول الرواية، فإن شخوصه تفعل العكس بالضبط:
" يوشك النهار الجديد أن يطلع، ولكن النهار القديم لم يزل يجرجر أذياله الثقيلة. ومثلما تُصارع مياهُ المحيط مياهَ النهر عند المصب، فهكذا يتصادم الزمن القديم والزمن الجديد ويمتزجان. وليس بمقدور تكاهاشي أن يحدد علي وجه اليقين في أي جانب وأي عالم يوجد مركز جاذبيته".
تحدث تكاهاشي في الرواية عن رغبته في دراسة القانون، عن المحاكمات التي حضرها والتي أشعرته بأن هناك جداراً ورقياً رقيقاً يفصل بين الناس الطبيعيين وبين المجرمين، عن الكائن البحري؛ أخطبوط عملاق يمتلك أذرعاً طويلة يسيطر بها علينا جميعاً، قد يسميه البعض "نظاماً" أو "دولة"، لكن لا أحد يستطيع الإفلات منه، مهما ذهب بعيداً وشعر باليأس أو الذنب، فهذا الكائن لا يعبأ بك أو بأحد، ففي ظل وجوده يفقد البشر أسماءهم ووجوههم، ويتحولون إلي علامات وأرقام.
أعتقد أن كل بطل في الرواية يحمل داخله مثل هذا الكائن البحري، بعضهم يتجاهله، والآخر يهرب منه، قد يتخذ شكلاً ملموساً مثل عصابة مطارِدة، أو شكلاً غير محسوس مثل الظلمة، هم لا يحاولون مقاومته أو التمرد عليه، فقط يرون الحل في الهروب، وانتظار الساعات الطويلة في الشوارع حتي انجلاء الظلام ببطء.
المصدر: أخبار الأدب
بقلم : حسام دياب
يقال بأن المحروم من النوم يكون في وضع أشد ألما من المرض،فتكون تصرفاته المنفعلة وعصبيته وغيابه عن وقته هي أمور خارجة عن إرادته،وهذا الحال هو حال الكبار،فكيف بالصغار وتحديدا الرضع وهم في شوق للنوم وذويهم بالطبع يشاركونهم الشوق نفسه،ومن العجيب بأن الكبار كثيرا ما يبتعدون عن الحصول عن ساعات طافية من النوم رغبة منهم في إكمال عملهم أو للسهر.
ما الصغار فهم مهما تمردوا على النوم فهو دوما ما يجد وسيلة ليغطي عيونهم ليرتاحوا بصحبته،فالنوم يشمل جزء ليس بالقليل من وقتنا وبالطبع من حياتنا،وهو عملية فيسولوجية يومية الحصول وقد لا نتفكر كثيرا في كيفية حصولها،وإن كنا نأتي على ذكر هذا التساؤل غالبا عندما يتمادى الأرق في زياراته لنا...ترى كيف ننام ولماذا؟وهل نختلف في ذلك؟
كتاب (كيف ننام؟) من تأليف أ.أرنوف ود.أوديت يحرضنا على التأمل في الأسئلة المطروحة أعلاه،ففي بداية الكتاب يتم الحديث عن البعد الإنساني للنوم مع إن منحى الكتاب هو منحى علمي أولا،فالإنسانية في الكتاب تمثلت في عرض مشهد الجنين الذي يتكون في رحم أمه وحاجته للنوم لثماني عشر ساعة بشكل يومي،أي إنه ينام أكثر من نصف اليوم،وهذه الظاهرة إمتدت لعالم الحيوان كذلك،ومن ثم يدور الكلام حول عدم التوافق في مواعيد النوم الذي يحدث كثيرا بين الرضع الصغار وأهلهم،فينشأ عن عدم التوافق هذا قلة نوم للأهل وتغيير في نمط روتينهم اليومي،فيصبح الأهل متبعين لمواعيد النوم التي أقرها لهم صغارهم،وإن كان الكبار يحتاجون لساعات نوم أقل من صغارهم،ومن ثم تمت مناقشة فكرة دراسة النوم وبدايتها،فتأخر العلماء في دراسة النوم وإن تبين لهم منذ زمن طويل بإنه حاجة أساسية للإنسان ولكن الدراسات الموثقة بدأت في منتصف القرن العشرين،ويعود السبب في القدرة على دراسة النوم للتطور في علم الأعصاب ومحاولة فهم آلية الدماغ،وكانت أول جزئية تمت دراستها حول النوم هي مرحلة النعاس،فالعلماء قسموا منذ ذلك الزمن النوم إلى مراحل،وتم تصنيف النوم نفسه إلى نوعين هما:
النوم العميق والنوم المفارق
وأيضا ذكروا بأن الإنسان يحتاج إلى سبع ساعات ونصف من النوم،ولقد فاجأني الرقم لغني كنت أعرف بإن الإنسان يحتاج إلى ثمان ساعات من النوم،فإستغربت تقليص الساعة الأخيرة إلى نصف ساعة،وأيضا أوضح العلماء بالرغم من ذلك بأن البشر يختلفون في عدد الساعات التي يحتاجونها للنوم،فمنهم من تكفيه خمس ساعات ومنهم من تلزمه تسع ساعات ونصف،فهناك من يستغرق في النوم وهناك من هو يشكو من النوم المتقطع،وللعوامل الوراثية دور هام في تحديد ذلك حسب وجهة نظر العلماء،وأيضا تم شرح مفهوم "اليقظات الصغرى" وهي اللحظات التي يتذبذي فيها النوم،فيكون الإنسان ما بين الصحو والغفوة،وهي ظاهرة طبيعية للغاية،وأما مسببات النوم فأولها العنصر الفيسولوجي المتعارف عليه لدى كل البشر وهو حاجة حتمية كالتنفس والأكل والشرب،وأيضا ما يسمى ب:الساعة البيولوجية" وهي الوقت الذي إعتاد فيها جسدنا على النوم فيه مهما تغير مكانه،وهناك التبعيات الإجتماعية كأخذ فترة قيلولة بعد تناول الطعام والتيقظ عند إقتراب أوقات العمل،فبعض الناس "مسائيين" وهم من يروق لهم السهر وإنجاز أعمالهم في الفترات المسائية والعض الآخر هم "الصباحيين" وهم من يحبون النهار ويعشقون أن يمارسوا أعمالهم فيه.
وتم الترجيح في الكتاب بأن عشاق المساء هم عادة ولدوا في فصل الربيع،أما عشاق الصباح فهم في أغلب الظن ولدوا في الخريف،ولعل هذا السبب في كوني "صباحية" لإني من مواليد الخريف،وبعد ذلك تم التطرق إلى الأسباب التي تؤثر سلبا على عملية النوم ومنها الجلوس أمام الشاشات الحاسوبية والتلفزيونية مطولا والضوضاء و تناول كميات مفرطة من المنبهات ،وتم تشبيه ميل بعض الأشخاص في تاخير أو تقليل مواعيد نومهم كسائق القطار الذي يحاول أن يغير مواعيد تنقلاته أو أن يغير مساراته،فتتعقد الأحوال أكثر وتتأزم أكثر،وأيضا تم تفسير مرض "الخدار" وهو مرض يهجم فيه النوم على الإنسان بالرغم من إرادته،وكذلك تم العروج على ما يبدر من الإنسان أثناء نومه،فبعض الأشخاص يتدثون أثناء نومهم ومنهم يتفاعلون مع أحلامهم حركيا أيضا وليس فقط لفظيا ،وهي ظاهرة هيجت فضول العلماء ليدروسها أكثر فاجروا فحوصات على أحلام الحيوانات ومنها القطط ومن ثم على أحلام البشر ،وأصبحت هناك منظمات تعنى بالنوم !
كتاب (كيف ننام؟) من تأليف أ.أرنوف ود.أوديت،هو تثيقفي فيما يختص بعملية النوم التي ليس من السهل دراستها بأسلوب يغفو في بساطته.
ما الصغار فهم مهما تمردوا على النوم فهو دوما ما يجد وسيلة ليغطي عيونهم ليرتاحوا بصحبته،فالنوم يشمل جزء ليس بالقليل من وقتنا وبالطبع من حياتنا،وهو عملية فيسولوجية يومية الحصول وقد لا نتفكر كثيرا في كيفية حصولها،وإن كنا نأتي على ذكر هذا التساؤل غالبا عندما يتمادى الأرق في زياراته لنا...ترى كيف ننام ولماذا؟وهل نختلف في ذلك؟
كتاب (كيف ننام؟) من تأليف أ.أرنوف ود.أوديت يحرضنا على التأمل في الأسئلة المطروحة أعلاه،ففي بداية الكتاب يتم الحديث عن البعد الإنساني للنوم مع إن منحى الكتاب هو منحى علمي أولا،فالإنسانية في الكتاب تمثلت في عرض مشهد الجنين الذي يتكون في رحم أمه وحاجته للنوم لثماني عشر ساعة بشكل يومي،أي إنه ينام أكثر من نصف اليوم،وهذه الظاهرة إمتدت لعالم الحيوان كذلك،ومن ثم يدور الكلام حول عدم التوافق في مواعيد النوم الذي يحدث كثيرا بين الرضع الصغار وأهلهم،فينشأ عن عدم التوافق هذا قلة نوم للأهل وتغيير في نمط روتينهم اليومي،فيصبح الأهل متبعين لمواعيد النوم التي أقرها لهم صغارهم،وإن كان الكبار يحتاجون لساعات نوم أقل من صغارهم،ومن ثم تمت مناقشة فكرة دراسة النوم وبدايتها،فتأخر العلماء في دراسة النوم وإن تبين لهم منذ زمن طويل بإنه حاجة أساسية للإنسان ولكن الدراسات الموثقة بدأت في منتصف القرن العشرين،ويعود السبب في القدرة على دراسة النوم للتطور في علم الأعصاب ومحاولة فهم آلية الدماغ،وكانت أول جزئية تمت دراستها حول النوم هي مرحلة النعاس،فالعلماء قسموا منذ ذلك الزمن النوم إلى مراحل،وتم تصنيف النوم نفسه إلى نوعين هما:
النوم العميق والنوم المفارق
وأيضا ذكروا بأن الإنسان يحتاج إلى سبع ساعات ونصف من النوم،ولقد فاجأني الرقم لغني كنت أعرف بإن الإنسان يحتاج إلى ثمان ساعات من النوم،فإستغربت تقليص الساعة الأخيرة إلى نصف ساعة،وأيضا أوضح العلماء بالرغم من ذلك بأن البشر يختلفون في عدد الساعات التي يحتاجونها للنوم،فمنهم من تكفيه خمس ساعات ومنهم من تلزمه تسع ساعات ونصف،فهناك من يستغرق في النوم وهناك من هو يشكو من النوم المتقطع،وللعوامل الوراثية دور هام في تحديد ذلك حسب وجهة نظر العلماء،وأيضا تم شرح مفهوم "اليقظات الصغرى" وهي اللحظات التي يتذبذي فيها النوم،فيكون الإنسان ما بين الصحو والغفوة،وهي ظاهرة طبيعية للغاية،وأما مسببات النوم فأولها العنصر الفيسولوجي المتعارف عليه لدى كل البشر وهو حاجة حتمية كالتنفس والأكل والشرب،وأيضا ما يسمى ب:الساعة البيولوجية" وهي الوقت الذي إعتاد فيها جسدنا على النوم فيه مهما تغير مكانه،وهناك التبعيات الإجتماعية كأخذ فترة قيلولة بعد تناول الطعام والتيقظ عند إقتراب أوقات العمل،فبعض الناس "مسائيين" وهم من يروق لهم السهر وإنجاز أعمالهم في الفترات المسائية والعض الآخر هم "الصباحيين" وهم من يحبون النهار ويعشقون أن يمارسوا أعمالهم فيه.
وتم الترجيح في الكتاب بأن عشاق المساء هم عادة ولدوا في فصل الربيع،أما عشاق الصباح فهم في أغلب الظن ولدوا في الخريف،ولعل هذا السبب في كوني "صباحية" لإني من مواليد الخريف،وبعد ذلك تم التطرق إلى الأسباب التي تؤثر سلبا على عملية النوم ومنها الجلوس أمام الشاشات الحاسوبية والتلفزيونية مطولا والضوضاء و تناول كميات مفرطة من المنبهات ،وتم تشبيه ميل بعض الأشخاص في تاخير أو تقليل مواعيد نومهم كسائق القطار الذي يحاول أن يغير مواعيد تنقلاته أو أن يغير مساراته،فتتعقد الأحوال أكثر وتتأزم أكثر،وأيضا تم تفسير مرض "الخدار" وهو مرض يهجم فيه النوم على الإنسان بالرغم من إرادته،وكذلك تم العروج على ما يبدر من الإنسان أثناء نومه،فبعض الأشخاص يتدثون أثناء نومهم ومنهم يتفاعلون مع أحلامهم حركيا أيضا وليس فقط لفظيا ،وهي ظاهرة هيجت فضول العلماء ليدروسها أكثر فاجروا فحوصات على أحلام الحيوانات ومنها القطط ومن ثم على أحلام البشر ،وأصبحت هناك منظمات تعنى بالنوم !
كتاب (كيف ننام؟) من تأليف أ.أرنوف ود.أوديت،هو تثيقفي فيما يختص بعملية النوم التي ليس من السهل دراستها بأسلوب يغفو في بساطته.
العودة إلى الذكرى التي تحتضننا. وما يعيش في تفاصليها من تفاعلات تلازمنا. تلك الذكرى ذاتها أليست عمل فعلناه في طفولتنا دون أن تستوي وتنضج مجرة عقولنا. وحتى اليوم ألسنا نرتكب الحماقات في حالة من الوعي واللاوعي لم ننضج بإرتكابها بعد.
هل نحن حبيسي أفعالنا وذكرانا القديمة تلك. كان هذا العمل يدور كثيراً حول هذا النقطة. ويجعلها البئر الذي تستقي الحبكة منها ارتوائها. وكعادة الحمد يترك لذة خاطفة في اختيار زمن الحكاية فهو يتراجع إلى أحداث حرب الخليج.. ثم يتأخر ثم يتقدم.. هذه الحفلة الزمنية المدورة كانت السبب في نجاح هذا العمل. يعيش الكاتب هذه المرة في حياة سيدة " لطيفة" ، تستذكر حياتها من القرية إلى الزواج حتى المدينة .. ولكن هذا الاستذكار أكثر عمقاً.. أحدُ جرحاً.. يقوم الحمد بسرد تلك الخواطر والأفكار والأحداث الجنسية التي كانت تراود "لطيفة" .. وتعيش فيها. لقد كنتُ في الفصل الأول أعتقد أن الحمد يجامع الرواية فعلاً!. وكنتُ في لحظة افضل عدم الاستمرار في القراءة ،ولكنه كان صادقاً على الرغم من إعتماده النظر إلى الجنس كتفسير لمعظم الوقائع والزج به في كافة الأحداث . الحديث عن الجنس محبب للشيطان الذي يسكننا ، إننا نشعر بمتعة خافية أن يتحدث أحدهم علناً عن خواطر غريبة ومناظر وأشياء عرفنا عنها أو مارسنها أو سمعنا عنها. حقاً هذا لا يحقق أهداف الأدب العظيمة والأساسية.. ولكنه أكثر ملامسة وعمقاً وهذا يكفي. إن كتابة الرجل عن فكر المرأة الجنسي وتضمينه عمل روائي أمر في غاية الخطورة إلم يكن مبني على الفشل منذ البداية ما لم تتم معالجته معالجة متكاملة تتوزاى مع اللغة المستخدمة والأفكار المناقشة وإبقاء القارئ ضمن الحبكة السردية.
لماذا اكتب عن هذه الرواية؟ وقد نظر إليها الكثير على أنها مسفة وساقطة ومكانها "الزبالة" ولما احتوته من حديث طويل عن الجنس. ما هو في نظرننا ؟؟ كيف هو الجنس في العالم؟ وكيف هو الجنس في السعودية ؟ إنه تلك الحكاية المغيبة .. الجانب الغيبي المظلم الذي يتنقل من جيل إلى آخر بكيفيات مختلفة ويحدث في ظل منظومة الدين والأخلاق والعادات والتقاليد الصحيح منها والمزيف بعض الصِدام والتشابك والتقاطع.. هذا بالفعل ما حدث لـ " لطيفة ". يبتدئ الحمد الرواية بمشهد سيدة خمسينية تستيقظ من نومها .. ثم تجترها أفكار وحياتها في القرية وانتقالها إلى الرياض ثم علاقتها من زوجها " صالح " وأبنائها وبناتها.. في المنتصف تتجلى قصة المصح النفسي في بيروت ومحاولات شفائها من الحالة النفسية الغريبة التي كانت فيها.. حتى يقارب العمل على النهاية .. تعود بعد ذلك لإكمال القصة التي بدأت أول الرواية.
على الرغم من بشاعة العمل إلا إنه جميل برأيي. فهذه الأعمال حقاً هي تلامس جروحنا التي لم تندمل. وبقيت دهراً لا نكاد نقترب منها بل إنها تعشعش في عقلنا اللاواعي لتأثر على حياتنا بأساليب قد لا نفطن لها. ولذا نحن نخرج من خلال هذه الأعمال بفكرة واحدة أن علينا أن نعيش في حالة صحية من فهمنا للجنس والتعاطي معه.. ثم علينا أن نربي الجيل القادم على الحرص أن يكون في المستوى المطلوب في فهمه للجنس وماهيته. إن المرض النفسي الذي يصاحب " لطفية " طوال العمل حتى آخر صفحة فيه يُعيده الحمد إلى تلك الممارسات الخاطئة في قريتها بشأن الجنس.. إلى تلك العادات التي اجبرتها أن تتزوج "صالحاً" وهو يكبرها بـ 15 عاماً بينما كانت تحب "فالحاً ". أجمل ما في البنية السردية البسيطة في هذا العمل هو أننا نعيش أولاً في عقل السيدة " لطيفة " حتى كأننا ننام فيه ونستغرق في أدق حالاته .. ثم بعد صفحات طويلة نخرج في لاشعور إلى أن نكون الكميرا السرية التي تراقب مرضها النفسي وما يدور حولها. هذا التنوع خلق إبداعاً لامنظور ولا يشعر به القارئ كثيراً بسبب تلك الإنسايبة في ذاك الانتقال.
لم يخشى الحمد أن يقوم بإستعراض ثقافته الموسوعية في الفلسفة والشعر والغناء والموسيقى والبلدان وغيرها في بنية العمل سواءً ضمن نصوص الحوار أو السرد.. على الرغم أني وجدت في بعض الأحيين خروج غير مألوف عن صورة الشخوص التي قدم لها مُسبقاً، كان مثل هذا الخروج بحاجة لمراجعة أكثر دقة .. حتى يُكسب الشخص موضوعية مقنعة أكثر للقارئ، وحتى لا يقرأ أحدنا أفكار أحد الشخوص وكأنه يقرأ أفكار تركي الحمد مجردة وثفافته أو كأنه يقرأ مقال موقع بإسمه. أخيراً ؛ استعمل الحمد تقنية أو كيفية لإنهاء العمل حيث الخاتمة هي البداية - وعلى الرغم من تكرارها في عمل سابق له " العدامة " أحد أجزاء الثلاثية، إلا أنه استعمل هذه التقنية بذكاء وظفه لبقاء النص والحكاية دائرة ومستمرة .. وجعْل الخاتمة بهذه الطريقة يشكل تسامحاً خفياً مع القارئ.. لا ادري حقاً كيف وما هو هذا التسامح.. ولكن وكأنها مصافحة عذبة للعمل.
* بعض الاقتباسات :
- المذكرات اليومية :
" المذكرات اليومية هي أفضل علاج لانفعالات النفس وحتى قاذوراتها المترسبة والمتعفنة " ص 57.
- عن القرية التي انتقلت معنا:
" نعم.. لم نعد نعيش في القرية، بل لم تعد القرية كلها موجودة، ولكن القرية لا تريد ، تتركنا ، وأسوء ما في القرية لازال يعيش في أعماقنا ، ويحكم تصرفاتنا، رغم كل ما تغير ويتغير " ص 82.
- الرجال :
" قاتل الله الرجال، فهم من حكم على المرأة باليأس في سن الأربعين، وعلى أنفسهم بالفتوة والنضج في السن ذاتها، كي يجدوا مبرراً للاتصال بامرأة أخرى أصغر سناً " 89.
- " نعم فالرجال عديمو الخاتمة ولا أمان لهم ، فهم يصنعون كل شيء، ويفعلون كل شيء، ومع ذلك يلومون المرأة على كل شرور الدنيا " ص90.
- الزواج :
" الزواج واحد في كل مكان وكل زمان : ذكر وأنثى يرغبان في بعضهما بعضاً، ويعلنان ذلك على الملأ، أما الترتيبات فهي اجتماعية محضة .." ص 232.
-العادة السرية:
" كما أنك كنت طوال الوقت تحملين احتقاراً مكبوتاً في داخلك لذاتك. احتقاراً مصدره ممارستك للعادة السرية" ص 234.
- لوم أنفسنا على خراب المجتمع:
" نحن لم نصنع العالم الذي وجدنا فيه، بل خرجنا إلى الوجود ووجدناه بشكله الذي فرض نفسه علينا .. نعم قد نحاول تغييره وفق مرئياتنا ( ....) ولكن إذا فشلنا يجب أن لا نلقي اللوم الكامل على ذواتنا " ص 235.
عن الكتاب
عنوان الرواية : جروح الذاكرة.
الكاتب : تركي الحمد.
الدار : دار الساقي.
عدد الصفحات : 286.
هل نحن حبيسي أفعالنا وذكرانا القديمة تلك. كان هذا العمل يدور كثيراً حول هذا النقطة. ويجعلها البئر الذي تستقي الحبكة منها ارتوائها. وكعادة الحمد يترك لذة خاطفة في اختيار زمن الحكاية فهو يتراجع إلى أحداث حرب الخليج.. ثم يتأخر ثم يتقدم.. هذه الحفلة الزمنية المدورة كانت السبب في نجاح هذا العمل. يعيش الكاتب هذه المرة في حياة سيدة " لطيفة" ، تستذكر حياتها من القرية إلى الزواج حتى المدينة .. ولكن هذا الاستذكار أكثر عمقاً.. أحدُ جرحاً.. يقوم الحمد بسرد تلك الخواطر والأفكار والأحداث الجنسية التي كانت تراود "لطيفة" .. وتعيش فيها. لقد كنتُ في الفصل الأول أعتقد أن الحمد يجامع الرواية فعلاً!. وكنتُ في لحظة افضل عدم الاستمرار في القراءة ،ولكنه كان صادقاً على الرغم من إعتماده النظر إلى الجنس كتفسير لمعظم الوقائع والزج به في كافة الأحداث . الحديث عن الجنس محبب للشيطان الذي يسكننا ، إننا نشعر بمتعة خافية أن يتحدث أحدهم علناً عن خواطر غريبة ومناظر وأشياء عرفنا عنها أو مارسنها أو سمعنا عنها. حقاً هذا لا يحقق أهداف الأدب العظيمة والأساسية.. ولكنه أكثر ملامسة وعمقاً وهذا يكفي. إن كتابة الرجل عن فكر المرأة الجنسي وتضمينه عمل روائي أمر في غاية الخطورة إلم يكن مبني على الفشل منذ البداية ما لم تتم معالجته معالجة متكاملة تتوزاى مع اللغة المستخدمة والأفكار المناقشة وإبقاء القارئ ضمن الحبكة السردية.
لماذا اكتب عن هذه الرواية؟ وقد نظر إليها الكثير على أنها مسفة وساقطة ومكانها "الزبالة" ولما احتوته من حديث طويل عن الجنس. ما هو في نظرننا ؟؟ كيف هو الجنس في العالم؟ وكيف هو الجنس في السعودية ؟ إنه تلك الحكاية المغيبة .. الجانب الغيبي المظلم الذي يتنقل من جيل إلى آخر بكيفيات مختلفة ويحدث في ظل منظومة الدين والأخلاق والعادات والتقاليد الصحيح منها والمزيف بعض الصِدام والتشابك والتقاطع.. هذا بالفعل ما حدث لـ " لطيفة ". يبتدئ الحمد الرواية بمشهد سيدة خمسينية تستيقظ من نومها .. ثم تجترها أفكار وحياتها في القرية وانتقالها إلى الرياض ثم علاقتها من زوجها " صالح " وأبنائها وبناتها.. في المنتصف تتجلى قصة المصح النفسي في بيروت ومحاولات شفائها من الحالة النفسية الغريبة التي كانت فيها.. حتى يقارب العمل على النهاية .. تعود بعد ذلك لإكمال القصة التي بدأت أول الرواية.
على الرغم من بشاعة العمل إلا إنه جميل برأيي. فهذه الأعمال حقاً هي تلامس جروحنا التي لم تندمل. وبقيت دهراً لا نكاد نقترب منها بل إنها تعشعش في عقلنا اللاواعي لتأثر على حياتنا بأساليب قد لا نفطن لها. ولذا نحن نخرج من خلال هذه الأعمال بفكرة واحدة أن علينا أن نعيش في حالة صحية من فهمنا للجنس والتعاطي معه.. ثم علينا أن نربي الجيل القادم على الحرص أن يكون في المستوى المطلوب في فهمه للجنس وماهيته. إن المرض النفسي الذي يصاحب " لطفية " طوال العمل حتى آخر صفحة فيه يُعيده الحمد إلى تلك الممارسات الخاطئة في قريتها بشأن الجنس.. إلى تلك العادات التي اجبرتها أن تتزوج "صالحاً" وهو يكبرها بـ 15 عاماً بينما كانت تحب "فالحاً ". أجمل ما في البنية السردية البسيطة في هذا العمل هو أننا نعيش أولاً في عقل السيدة " لطيفة " حتى كأننا ننام فيه ونستغرق في أدق حالاته .. ثم بعد صفحات طويلة نخرج في لاشعور إلى أن نكون الكميرا السرية التي تراقب مرضها النفسي وما يدور حولها. هذا التنوع خلق إبداعاً لامنظور ولا يشعر به القارئ كثيراً بسبب تلك الإنسايبة في ذاك الانتقال.
لم يخشى الحمد أن يقوم بإستعراض ثقافته الموسوعية في الفلسفة والشعر والغناء والموسيقى والبلدان وغيرها في بنية العمل سواءً ضمن نصوص الحوار أو السرد.. على الرغم أني وجدت في بعض الأحيين خروج غير مألوف عن صورة الشخوص التي قدم لها مُسبقاً، كان مثل هذا الخروج بحاجة لمراجعة أكثر دقة .. حتى يُكسب الشخص موضوعية مقنعة أكثر للقارئ، وحتى لا يقرأ أحدنا أفكار أحد الشخوص وكأنه يقرأ أفكار تركي الحمد مجردة وثفافته أو كأنه يقرأ مقال موقع بإسمه. أخيراً ؛ استعمل الحمد تقنية أو كيفية لإنهاء العمل حيث الخاتمة هي البداية - وعلى الرغم من تكرارها في عمل سابق له " العدامة " أحد أجزاء الثلاثية، إلا أنه استعمل هذه التقنية بذكاء وظفه لبقاء النص والحكاية دائرة ومستمرة .. وجعْل الخاتمة بهذه الطريقة يشكل تسامحاً خفياً مع القارئ.. لا ادري حقاً كيف وما هو هذا التسامح.. ولكن وكأنها مصافحة عذبة للعمل.
* بعض الاقتباسات :
- المذكرات اليومية :
" المذكرات اليومية هي أفضل علاج لانفعالات النفس وحتى قاذوراتها المترسبة والمتعفنة " ص 57.
- عن القرية التي انتقلت معنا:
" نعم.. لم نعد نعيش في القرية، بل لم تعد القرية كلها موجودة، ولكن القرية لا تريد ، تتركنا ، وأسوء ما في القرية لازال يعيش في أعماقنا ، ويحكم تصرفاتنا، رغم كل ما تغير ويتغير " ص 82.
- الرجال :
" قاتل الله الرجال، فهم من حكم على المرأة باليأس في سن الأربعين، وعلى أنفسهم بالفتوة والنضج في السن ذاتها، كي يجدوا مبرراً للاتصال بامرأة أخرى أصغر سناً " 89.
- " نعم فالرجال عديمو الخاتمة ولا أمان لهم ، فهم يصنعون كل شيء، ويفعلون كل شيء، ومع ذلك يلومون المرأة على كل شرور الدنيا " ص90.
- الزواج :
" الزواج واحد في كل مكان وكل زمان : ذكر وأنثى يرغبان في بعضهما بعضاً، ويعلنان ذلك على الملأ، أما الترتيبات فهي اجتماعية محضة .." ص 232.
-العادة السرية:
" كما أنك كنت طوال الوقت تحملين احتقاراً مكبوتاً في داخلك لذاتك. احتقاراً مصدره ممارستك للعادة السرية" ص 234.
- لوم أنفسنا على خراب المجتمع:
" نحن لم نصنع العالم الذي وجدنا فيه، بل خرجنا إلى الوجود ووجدناه بشكله الذي فرض نفسه علينا .. نعم قد نحاول تغييره وفق مرئياتنا ( ....) ولكن إذا فشلنا يجب أن لا نلقي اللوم الكامل على ذواتنا " ص 235.
عن الكتاب
عنوان الرواية : جروح الذاكرة.
الكاتب : تركي الحمد.
الدار : دار الساقي.
عدد الصفحات : 286.
"القندس" هو عنوان الرواية الصادرة للروائي السعودي محمد حسن علوان عن دار الساقي في طبعتها الأولى 2011 جاب خلالها القندس 320 صفحة من الحجم المتوسط متوغلا في 40 فصلا يسرد فيها بحذر بالغ تفاصيل ذاتية،عائلية ومجتمعية دقيقة، تماماً مثلما يجمع الأخشاب ليبني سدّه العائم في النهر.

غواية العنوان..
لا يمكنك وأنت تقف عند عتبة عنوان رواية " القندس" ولا تستحضرك الأسئلة ويجول في ذهنك كل ما يمت لهذا العنوان بصلة، بالنسبة لمخزوني المحدود كانت عبارة قرأتها في رواية "السجينة"* أتذكر هذه المقولة بصفة خاصة لأنها تذكرني بقدرة الإنسان على اختلاق الدعابة في ظل حرمانه من أبسط سبل الحياة، كان الأبطال يحفرون نفقهم نحو الخلاص من سجون تحت الأرض، كانوا يرددون أمام الحرّاس: " دخلت القنادس إلى سدني وأعلام النصر خفّاقة فوق رماحها". فهل كان العلوان يحفر نفقاً لخلاص أبطاله؟
أيضاً يستحضرني الممثل "ميل غيبسون" وهو يمسك بيده دمية على هيئة قندس في فلم حمل اسم *"القندس" والذي يحاول غيبسون التخلص من كآبته المزمنة من خلال علاقته بدمية القندس. فهل أراد العلوان أن يتخلص من مرض ما مستعيناً بذات الحيوان؟
كل ذلك يأتي في الذاكرة لمجرد قراءة العنوان، ثمّة أمر آخر وهو شخصي جداً، يتعلّق بـ ابني الصغير، عندما أرى أن شعره أخذ يحتل من وجهه أكثر مما ينبغي نبزته : " متى أوديك الحلاق أيّها القندس؟" في بداية الأمر سألني: ماذا يعني "القندس"؟ أجبته: حيوان برمائي تطفر عيناه من وسط شعره الكثيف. فهل اختار العلوان أن يتنابز بالألقاب مع شخصياته فلم يجد أفضل من القندس ليقدحهم به؟
أجد أن هذا التحليل الأخير قريباً بشكل ما من تبرير لصق مسمى هذا الحيوان على غلاف الرواية، فـ البطل مندهش من مكانة هذا الحيوان الذي يحتل كل هذه المساحة من الإعلانات وذاكرة الناس وتقام باسمه المهرجانات، كان الأشهر في بورتلاند، وبما أن "غالب" جاء لهذه المدينة للبحث عن ذاته لم يجد أمامه سوى هذا القندس، ولأنك لا يمكن أن تعبر ذاتك إلا عبر ذوات الآخرين راح غالب يتأمل هذا القندس ويحيل كل صفاته الحيوانية على عائلته، فـ شيّئهم جميعاً لقنادس وراح يتأملهم ويحلل كل تصرفاتهم من خلال القندس الذي ظهر له بكل عائلته من ضفة ويلامت.
" تأملت سنيّه البارزتين اللتين اكتستا لوناً برتقالياً شاحباً من فرط ما قضم من لحاء البلوط والصفصاف ، فذكرني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة...... أما ردفه السمين فذكرني بأختي بدرية.... وعندما رفع إلى عينيه الكلّتين محاولا أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي... انتزع التمرة من يدي كما ينتزع ابي ثمار الحياة انتزاعاً... قبض عليها بيد شحيحة ذكرتني بيد أخي سلمان عندما تقبض على المال.."ص1ــ
الحكاية..
"غالب" بطل القندس هذا المتمرد المأزوم الذي يعاني الآن من القولون وقد تشوّه وجه الجميل جرّاء حادث سيارة، كان قبل ذلك قد التقى بـ "غادة" أثناء زيارته لـ مدينة جدّه: " علقت غادة بصنارتي التي رميتها بلا مبالاة في أحد شبابيك جدة ولم أعوّل عليها أن تعود بشيء. لكن الذي يعرف جدة يعرف أنه عندما يكون الموسم ربيعاً يلقي البحر على المدينة اطناباً من اللقاح الذي يتنفسه الناس ولا يرونه. يصبح الحب حالة عامة والشوارع مليئة بالقلوب الخصبة."صـ303ــ توثقت علاقتهما من خلال اللقاءات السرية ونمت بذرت الحب، لكن لم يكتب لهذا الحب أن يتوّج بـ ارتباط مقدّس لأسباب قبلية:"كان رأي أبي معلوماً لي قبل أن أضطر لمفاتحته، تماماً مثلما تعلم هي مسبقاً رأي أبيها.كل من العائلتين كانت تتعالى على الأخرى مما جعل المعادلة أصعب فعزفنا عن حلها قبل أن نحاول" ص201ــ ودون محاولات تذكر آمنوا أن لا سبيل للارتباط تاركين أنفسهم في مهب العشق، لكن غادة تتزوج سفيراً وتغادر عشقها الأول ليأخذها الغياب سنة كاملة قبل أن تعود لتسترد مكانها الشاغر دائماً.."كانت غادة عاشقة مثالية لفتى صاخب ولكنه لن يتزوجها مطلقاً كما تقول القبيلة التي في دمه، وكنت عاشقاً لحوحاً لفتاة حرة ولكنها لن تتزوجه أيضا كما تقول المدينة في دمها.هكذا تركنا القصة مفتوحة دون تدوين تفاصيلها حتى إذا اضطرم الحب بيننا رمينا باللوم على الأباء، وشتمت هي جنوبي المتخلف وشتمت أنا حجازها المتحذلق. أما إذا خفت الحب وتحوّل إلى علاقة باهتة كتلك التي نعيشها اليوم تذكرنا معاً بأنها ربما جاءت أبهت لو كنا تزوّجنا فعلا."صــ204ـ
تستمر العلاقة المجنونة حتى يصل كليهما لسن الأربعين، يلتقيان بين زمن وآخر في مدن مختلفة من العالم، وبينما تعيش غادة حياتها و تربي أطفالها يظل غالب سجين نفسه، يتمرد أكثر فيقرر أن يعتزل في بورتلاند بالقرب من نهر ويلامت يفني أيامه بين تعلّم صيد السمك و التصعلك في الحانات ثم العودة لشقته المستأجرة، من هناك يظل يتواصل معها هاتفيا، إلى أن تفاجئه بقرار زيارتها لمحل إقامته لتدبّر شؤون دراسة ابنها، لكنها وبسبب خلاف يدب مع زوجها، تقرر البقاء في بورتلاند لحين يرضخ زوجها لمطالبها، فتسكن شقة غالب قرابة الشهر قبل أن تعود إليه، لكن خلال هذه الفترة التي يجرّب فيها غالب العيش مع أحد آخر يكتشف أن الأمر برمته كان نزوات طارئة .." الحقيقة التي كشفها استيقاظنا معاً في الصباح على أمزجة متناقضة وصمتنا الطويل في المساء أمام برنامج تلفزيوني ، هي ان علاقتنا برمتها لم تكن أكثر من صدفة غير متقنة . الآن اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة ان الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة."ص295ــ
إذن ما الذي يجعله يستمر معها طوال عشرين سنة دون أن يكون الذي بينهما يستحق كل هذا العناء والمخاطرة؟ ما يحاول غالب أن يقوله ما بين السطور أن العشرة تجبرنا أحياناً أن نجامل حتى في رغبتنا الجنسية ونستمر حتى يجعل الله لنا مخرج وذلك لا يعني أننا لا نحب ولكنه حب متعدد الأوجه..
" بالتأكيد كنت أحبها ولكني لم أكن أعرف نوع هذا الحب.أعتقد أني مارست معها نصف أنواعه على الأقل. أحببتها باستخفاف في البداية لأني كنت أظنها سهلة المنال بسبب استجابتها السريعة.فكرت في البداية أن بنات جدة كلهن كذلك ولكن عشرين سنة من الدوران حولها مثل أطواق زحل بخرت هذه الفكرة تماماً.."صــــ204ــــ
" رغم أن وجهها المستدير لم يعد كامل الألق وأصابعها تضاعف حجمها حتى بدا لي كأنها قلت عددا، وصرت أحصي في بطنها إذا جلست ثلاث طيات، ولكن منذ متى أنا ألتقيها لجمالها؟"صــــــ296ــــ
يفرد غالب في السرد الكثير من تفاصيل عائلته بدء من الأب الذي يأخذ الكثير من المنعطفات وصولا لـ أشقاءه من أبيه كون أن أمه تزوجت بعد طلاقها من أبيه برجل آخر كما فعل أبيه أيضاً وتزوج من شيخة التي أحسنت إليه برعايتها، إلا أن غالب يظل معتزلاً عن أخوته فيحتل سلمان مكانة خاصة عند أبيه الذي بدأ يأخذ طريقه نحو الثراء والشيخوخة، أخته منى التي تشبه في التمرد، بدرية التي تلجأ للتدين والتشدد، عمته فاطمة الأرملة التي راح يقص عليها مغامراته، حسان و سلمان، صديقه فيصل، والخال بالرضاعة داود، يستمر في سرد الكثير عن تاريخ عائلته وتحديدا جده "حسن الوجزي" الذي يظل "ثابت" ابن قريتهم القديمة يسرد عليه وهو يدون كل شيء على أمل أن يعدّ بحثاً لا ينجزه أبداً.
يعود غالب في ختام الرواية من بورتلاند مع موت أبيه ليتقاسم وأخوته التركة التي لم تكن كما يتوقعون لكنهم اقتسموها وانصرفوا لحيواتهم.
المكان..
يحتل المكان في هذه الرواية مساحة واسعة واشتغال واضح على المفارقة المكانية بين البلد الواحد واختلاف مدنه كـ جدّة والرياض أو بين بيئتين مختلفتين إحداهما في الشرق وأخرى تقبع في الغرب _السعودية و بورتلاند_ وقد أجاد إبراز المعالم والوصف بما يتناسب مع المشهد الداعم للأحداث، الشيء الملفت أن ثمّة قسوة مفرطة على الرياض والذي يصّر العلوان على أن يخرج كل أبطاله من أرضها..
" تحتاج الحياة في الرياض أحياناً إلى حوادث ومستشفيات حتى تنكشف مشاعر الذي يحيطون بنا."صــ70ــ
" بعد ذلك تعود إلى لندن حيث تعيش وأعود إلى الرياض حيث أموت."صـ87ــ
" عندما أطفأت شمعة السادسة والأربعين شعرت بأن الرياض مملة ومتربة وليس لديها ما تمنحني إياه."صــ100ــ
أبطال الأربعين..
الملفت في رواية القندس هو ترجل البطل من صهوة العشرين ليتربع على قارعة الأربعين، التركيز على هذه الفئة العمرية جاء بذكاء ملفت حيث استطاع العلوان أن يدخلنا لعوالم هذه المرحلة عبر طريقين، الأول يمر جسدياً بحيث اختار بعض الأمراض التي تتناسب وهذه المرحلة العمرية كـ مرض القولون عند غالب و آلم الظهر عند غادة ومن طريق آخر ركّز على البعد النفسي والأحاسيس الأكثر وعياً في هذه المرحلة..
" لا يهم. لا يوجد آباء وأمهات لمن تجاوزوا الأربعين مثلي. وجودهم في هذه المرحلة من العمر يصبح تذكاراً وسخيفاً."صــ73ــ
" الآن تصفّنا الأربعون على رف غابر مثل طقم قديم من العشاق.لم نعد نصلح لشيء باستثناء تمرير النصائح التافهة وتدبير اللقاءات المتثاقلة."ًصـــــــ136ـــ
" أنا الرجل الذي عمره ست وأربعون سنة وفي ذاكرتي حكايات ومدن وأشخاص ومتاعب.وقعت في البكاء الذي أوكأته يداي ونفخه فمي."صـــ168ـ
"الأربعون تغلق باب الاعتياد وتطرد من مفاصلنا آخر قطرات المرونه."صـــ196ـ
الحس الساخر..
منذ البداية يلحظ القارئ هذا الوميض الساخر والمتسارع وإن خفت فيما بعد وصار يومض بشكل أقل إلا أنه ظل علامة لا يمكن إغفالها..
" آثرت ان أؤجل فضولي حتى أعود إلى شقتي في المساء وأنقب عنه في الإنترنت أو اسأل كونرادو، جاري الفلبيني السمين، لأنه يعرف الكثير عن الحيوانات .ألم يقل إنه كان صياداً قبل أن تخترق ساقه طلقة بندقية خاطئة ، فأصبح سباكاً حتى داهمه زوج ضخم وهو يضاجع زوجته في حمامها الذي كان يصلحه، فأصبح سائق تاكسي حتى اعترض موكب رئيس حزب التحالف الفلبيني فحطموا سيارته، فأصبح كهربائيا حتى الآن؟."صــ7ـ
" ترهل خداي وعنقي أخيراً مثل عجين اختمرت طويلاً. بعد ذلك جمع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا وبعثرها مرة اخرى بمعرفته.."صـــ10ــ
"هذا الملعون يتجاهل تمري ويرحل. الكيلوغرام الواحد من هذا التمر الفاخر أغلى ثمناً من لحمه.."صــ13ـــ
" وانتشرت في المحال قمصان بصورته وهو يغمز بعينه، تباع بالسعر الذي يثير حنقي دائما: تسعة دولارات وتسعة وتسعين سنتاً."صــــ25ــ
"خرجت على سيارتي وأنا أفكر كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي عليّ منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟ هل من المعقول أنه لم يتخذ قراره بشأنها حتى الآن؟ أتراه يمهلني.. أم يمهلهما؟"صـــ37ــ
"منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفّر بالدّين واليتم وهو يشعر بأنها حريق كبير يوشك أن يأخذه. ولذلك ربّانا جميعاً كفرقة إطفاء."صـــ41ــ
" تخيلت أنها إذا استطاعت أن تخلع حذاءها بعد عشر دقائق فقط في شقتي فقد تخلع زوجها إذا أقامت هنا أكثر من أسبوع."صـــــ168ـ
الحكمة..
كعادته يمرر لنا العلوان الكثير من الحكم في العبارات التي لا يمكن أن تمر دون أن تجرح ذاكرتك فتقف تتأمل نزفك، لم يحدد حكيماً بل جعل الحكمة تخرج من كل الشخصيات بشكل عفوي كل حسب بيئته وثقافته..
" لا شيء يجيء متأخراً إلا عللته الأقدار بأسباب حكيمة"صـ38ــ
" من الممكن أن نتحمل مواربة الأبواب غير المحكمة ولكن من الصعب جداً أن تعيش تحت سقف مثقوب"صـ108ـ
" القطارات لا تعود للوراء"صـ180ــ
" دائما هناك امرأة كافية لبعض الوقت"صـــ191ــ
"الحب شيء والنضال من أجله شيء آخر"صــــ202ـــ
"إذا أردنا أن نخنق حباً قديماً، فعلينا أن نسخر منه باستمرار!"صـــــ227ــ
"المسنّون الذين بلغوا من الوهن مبلغه مثلي لا يحسدون يا ولدي، إنهم يتحسّرون فقط. ولتكتشف أنت وحدك يا ولدي أن بين الحسد والحسرة دائماً زقاقاً موغلاً في اليأس"صــــ235ــ
" الأردية الأكثر بياضاً أسرع اتساخاً"صــــ244ـــ
" ما يُسمع مهما كان ثميناً يظل أقل بكثير مما ُيرى." صـــ247ـــ
لغة السرد..
يصعب أن تفلت من لغة علوان السردية بدء من روايته سقف الكفاية مروراً بصوفيا وطوق الطهارة متوقفاً عند القندس هذه اللغة هي مفتاح صبر القارئ على هذا الروائي الجميل، رغم أن السرد لأحداث الجد والأب أخذت الكثير من المساحة التي كان يتطلع لها القارئ لتضاف لـ حكاية العاشقين، أيضا شخصية "ثابت" تماهت كثيرا مع البطل الراوي فصار لسانه وثقافته ويمكن تحديد هذه الفجوة بمقارنة بيئة ثابت التي لم تخرج عن ثقافة الأب و الأم والعمة فاطمة و الأخت بدرية في حين أن هذه الشخصيات لها صوتها المنفرد لا نجد لثابت صوته الخاص إلا في كلمة "يا ولدي" رغم احتلاله لأكثر من 4 فصول من الرواية.
النضج..
في هذه الرواية يتضح جلياً النضج الأدبي والمعرفي لدى حسن علوان
فأنت تجد خليطاً من الروايات تمر عليك وأنت تقرأ القندس، أهمها رواية "حين تركنا الجسر"* وتجد ذاك الرابط حين كان بطل الرواية زكي نداوة مع كلبه وردان ينتظر بزوغ البطة الخرافية، كذلك نجد غالب ينتظر القندس بذاك الترقب والشغف الوصف الآخذ في الدهشة، ذاك الإيغال في الشخصيات ومحاولة الوصول بكل شخصية لنهاية مرضية قدر الإمكان، التنوع في الأعمار و الأمكنة والجنسيات (باسل السوري ، زكي المصري، شفيق الباكستاني، الخدم الاندنوسيات، مخلص الحلاق) في محاولة واضحة لطرح قضايا شائكة كـ الكفالة والعمالة دون التكلف أو زج أحداث طارئة تكون ناتئة في جدار الحبكة. أستطاع أيضا علوان أن يهرب بطريقة سلسة من مأزق التورط في تواريخ بعينها فـ اتبع تقنية فلاش باك ثم أخذ يتنقل في الأزمنة دون وضع الكثير من العلامة بـ استثناء مرحلة ما بعد حرب الخليج ولأن الأحداث اختلفت أزمنتها يصعب تحديد العمر للأبطال لولا ذكر ذلك بوضوح "ست وأربعين سنة" هي ما يمكن توزيع الأحداث عليها.
نستطيع أن نرى هذا النضج رغم أننا مع روائي لم يتخلى عن صناعة كل أبطاله في مصانع الرياض ولم يتخلى عن ذريعته الأثيرة وهي الأبطال الذين ينتظرون تركة أبائهم والأبناء المتمردين والعلاقات التي لا يمكن لها أن تكتمل ما شفع لهذا النضج أن يومض هو تخطي بطل العشرين للأربعين وتكثيف السرد من حين الأماكن والأزمنة والشخوص.

غواية العنوان..
لا يمكنك وأنت تقف عند عتبة عنوان رواية " القندس" ولا تستحضرك الأسئلة ويجول في ذهنك كل ما يمت لهذا العنوان بصلة، بالنسبة لمخزوني المحدود كانت عبارة قرأتها في رواية "السجينة"* أتذكر هذه المقولة بصفة خاصة لأنها تذكرني بقدرة الإنسان على اختلاق الدعابة في ظل حرمانه من أبسط سبل الحياة، كان الأبطال يحفرون نفقهم نحو الخلاص من سجون تحت الأرض، كانوا يرددون أمام الحرّاس: " دخلت القنادس إلى سدني وأعلام النصر خفّاقة فوق رماحها". فهل كان العلوان يحفر نفقاً لخلاص أبطاله؟
أيضاً يستحضرني الممثل "ميل غيبسون" وهو يمسك بيده دمية على هيئة قندس في فلم حمل اسم *"القندس" والذي يحاول غيبسون التخلص من كآبته المزمنة من خلال علاقته بدمية القندس. فهل أراد العلوان أن يتخلص من مرض ما مستعيناً بذات الحيوان؟
كل ذلك يأتي في الذاكرة لمجرد قراءة العنوان، ثمّة أمر آخر وهو شخصي جداً، يتعلّق بـ ابني الصغير، عندما أرى أن شعره أخذ يحتل من وجهه أكثر مما ينبغي نبزته : " متى أوديك الحلاق أيّها القندس؟" في بداية الأمر سألني: ماذا يعني "القندس"؟ أجبته: حيوان برمائي تطفر عيناه من وسط شعره الكثيف. فهل اختار العلوان أن يتنابز بالألقاب مع شخصياته فلم يجد أفضل من القندس ليقدحهم به؟
أجد أن هذا التحليل الأخير قريباً بشكل ما من تبرير لصق مسمى هذا الحيوان على غلاف الرواية، فـ البطل مندهش من مكانة هذا الحيوان الذي يحتل كل هذه المساحة من الإعلانات وذاكرة الناس وتقام باسمه المهرجانات، كان الأشهر في بورتلاند، وبما أن "غالب" جاء لهذه المدينة للبحث عن ذاته لم يجد أمامه سوى هذا القندس، ولأنك لا يمكن أن تعبر ذاتك إلا عبر ذوات الآخرين راح غالب يتأمل هذا القندس ويحيل كل صفاته الحيوانية على عائلته، فـ شيّئهم جميعاً لقنادس وراح يتأملهم ويحلل كل تصرفاتهم من خلال القندس الذي ظهر له بكل عائلته من ضفة ويلامت.
" تأملت سنيّه البارزتين اللتين اكتستا لوناً برتقالياً شاحباً من فرط ما قضم من لحاء البلوط والصفصاف ، فذكرني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة...... أما ردفه السمين فذكرني بأختي بدرية.... وعندما رفع إلى عينيه الكلّتين محاولا أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي... انتزع التمرة من يدي كما ينتزع ابي ثمار الحياة انتزاعاً... قبض عليها بيد شحيحة ذكرتني بيد أخي سلمان عندما تقبض على المال.."ص1ــ
الحكاية..
"غالب" بطل القندس هذا المتمرد المأزوم الذي يعاني الآن من القولون وقد تشوّه وجه الجميل جرّاء حادث سيارة، كان قبل ذلك قد التقى بـ "غادة" أثناء زيارته لـ مدينة جدّه: " علقت غادة بصنارتي التي رميتها بلا مبالاة في أحد شبابيك جدة ولم أعوّل عليها أن تعود بشيء. لكن الذي يعرف جدة يعرف أنه عندما يكون الموسم ربيعاً يلقي البحر على المدينة اطناباً من اللقاح الذي يتنفسه الناس ولا يرونه. يصبح الحب حالة عامة والشوارع مليئة بالقلوب الخصبة."صـ303ــ توثقت علاقتهما من خلال اللقاءات السرية ونمت بذرت الحب، لكن لم يكتب لهذا الحب أن يتوّج بـ ارتباط مقدّس لأسباب قبلية:"كان رأي أبي معلوماً لي قبل أن أضطر لمفاتحته، تماماً مثلما تعلم هي مسبقاً رأي أبيها.كل من العائلتين كانت تتعالى على الأخرى مما جعل المعادلة أصعب فعزفنا عن حلها قبل أن نحاول" ص201ــ ودون محاولات تذكر آمنوا أن لا سبيل للارتباط تاركين أنفسهم في مهب العشق، لكن غادة تتزوج سفيراً وتغادر عشقها الأول ليأخذها الغياب سنة كاملة قبل أن تعود لتسترد مكانها الشاغر دائماً.."كانت غادة عاشقة مثالية لفتى صاخب ولكنه لن يتزوجها مطلقاً كما تقول القبيلة التي في دمه، وكنت عاشقاً لحوحاً لفتاة حرة ولكنها لن تتزوجه أيضا كما تقول المدينة في دمها.هكذا تركنا القصة مفتوحة دون تدوين تفاصيلها حتى إذا اضطرم الحب بيننا رمينا باللوم على الأباء، وشتمت هي جنوبي المتخلف وشتمت أنا حجازها المتحذلق. أما إذا خفت الحب وتحوّل إلى علاقة باهتة كتلك التي نعيشها اليوم تذكرنا معاً بأنها ربما جاءت أبهت لو كنا تزوّجنا فعلا."صــ204ـ
تستمر العلاقة المجنونة حتى يصل كليهما لسن الأربعين، يلتقيان بين زمن وآخر في مدن مختلفة من العالم، وبينما تعيش غادة حياتها و تربي أطفالها يظل غالب سجين نفسه، يتمرد أكثر فيقرر أن يعتزل في بورتلاند بالقرب من نهر ويلامت يفني أيامه بين تعلّم صيد السمك و التصعلك في الحانات ثم العودة لشقته المستأجرة، من هناك يظل يتواصل معها هاتفيا، إلى أن تفاجئه بقرار زيارتها لمحل إقامته لتدبّر شؤون دراسة ابنها، لكنها وبسبب خلاف يدب مع زوجها، تقرر البقاء في بورتلاند لحين يرضخ زوجها لمطالبها، فتسكن شقة غالب قرابة الشهر قبل أن تعود إليه، لكن خلال هذه الفترة التي يجرّب فيها غالب العيش مع أحد آخر يكتشف أن الأمر برمته كان نزوات طارئة .." الحقيقة التي كشفها استيقاظنا معاً في الصباح على أمزجة متناقضة وصمتنا الطويل في المساء أمام برنامج تلفزيوني ، هي ان علاقتنا برمتها لم تكن أكثر من صدفة غير متقنة . الآن اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة ان الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة."ص295ــ
إذن ما الذي يجعله يستمر معها طوال عشرين سنة دون أن يكون الذي بينهما يستحق كل هذا العناء والمخاطرة؟ ما يحاول غالب أن يقوله ما بين السطور أن العشرة تجبرنا أحياناً أن نجامل حتى في رغبتنا الجنسية ونستمر حتى يجعل الله لنا مخرج وذلك لا يعني أننا لا نحب ولكنه حب متعدد الأوجه..
" بالتأكيد كنت أحبها ولكني لم أكن أعرف نوع هذا الحب.أعتقد أني مارست معها نصف أنواعه على الأقل. أحببتها باستخفاف في البداية لأني كنت أظنها سهلة المنال بسبب استجابتها السريعة.فكرت في البداية أن بنات جدة كلهن كذلك ولكن عشرين سنة من الدوران حولها مثل أطواق زحل بخرت هذه الفكرة تماماً.."صــــ204ــــ
" رغم أن وجهها المستدير لم يعد كامل الألق وأصابعها تضاعف حجمها حتى بدا لي كأنها قلت عددا، وصرت أحصي في بطنها إذا جلست ثلاث طيات، ولكن منذ متى أنا ألتقيها لجمالها؟"صــــــ296ــــ
يفرد غالب في السرد الكثير من تفاصيل عائلته بدء من الأب الذي يأخذ الكثير من المنعطفات وصولا لـ أشقاءه من أبيه كون أن أمه تزوجت بعد طلاقها من أبيه برجل آخر كما فعل أبيه أيضاً وتزوج من شيخة التي أحسنت إليه برعايتها، إلا أن غالب يظل معتزلاً عن أخوته فيحتل سلمان مكانة خاصة عند أبيه الذي بدأ يأخذ طريقه نحو الثراء والشيخوخة، أخته منى التي تشبه في التمرد، بدرية التي تلجأ للتدين والتشدد، عمته فاطمة الأرملة التي راح يقص عليها مغامراته، حسان و سلمان، صديقه فيصل، والخال بالرضاعة داود، يستمر في سرد الكثير عن تاريخ عائلته وتحديدا جده "حسن الوجزي" الذي يظل "ثابت" ابن قريتهم القديمة يسرد عليه وهو يدون كل شيء على أمل أن يعدّ بحثاً لا ينجزه أبداً.
يعود غالب في ختام الرواية من بورتلاند مع موت أبيه ليتقاسم وأخوته التركة التي لم تكن كما يتوقعون لكنهم اقتسموها وانصرفوا لحيواتهم.
المكان..
يحتل المكان في هذه الرواية مساحة واسعة واشتغال واضح على المفارقة المكانية بين البلد الواحد واختلاف مدنه كـ جدّة والرياض أو بين بيئتين مختلفتين إحداهما في الشرق وأخرى تقبع في الغرب _السعودية و بورتلاند_ وقد أجاد إبراز المعالم والوصف بما يتناسب مع المشهد الداعم للأحداث، الشيء الملفت أن ثمّة قسوة مفرطة على الرياض والذي يصّر العلوان على أن يخرج كل أبطاله من أرضها..
" تحتاج الحياة في الرياض أحياناً إلى حوادث ومستشفيات حتى تنكشف مشاعر الذي يحيطون بنا."صــ70ــ
" بعد ذلك تعود إلى لندن حيث تعيش وأعود إلى الرياض حيث أموت."صـ87ــ
" عندما أطفأت شمعة السادسة والأربعين شعرت بأن الرياض مملة ومتربة وليس لديها ما تمنحني إياه."صــ100ــ
أبطال الأربعين..
الملفت في رواية القندس هو ترجل البطل من صهوة العشرين ليتربع على قارعة الأربعين، التركيز على هذه الفئة العمرية جاء بذكاء ملفت حيث استطاع العلوان أن يدخلنا لعوالم هذه المرحلة عبر طريقين، الأول يمر جسدياً بحيث اختار بعض الأمراض التي تتناسب وهذه المرحلة العمرية كـ مرض القولون عند غالب و آلم الظهر عند غادة ومن طريق آخر ركّز على البعد النفسي والأحاسيس الأكثر وعياً في هذه المرحلة..
" لا يهم. لا يوجد آباء وأمهات لمن تجاوزوا الأربعين مثلي. وجودهم في هذه المرحلة من العمر يصبح تذكاراً وسخيفاً."صــ73ــ
" الآن تصفّنا الأربعون على رف غابر مثل طقم قديم من العشاق.لم نعد نصلح لشيء باستثناء تمرير النصائح التافهة وتدبير اللقاءات المتثاقلة."ًصـــــــ136ـــ
" أنا الرجل الذي عمره ست وأربعون سنة وفي ذاكرتي حكايات ومدن وأشخاص ومتاعب.وقعت في البكاء الذي أوكأته يداي ونفخه فمي."صـــ168ـ
"الأربعون تغلق باب الاعتياد وتطرد من مفاصلنا آخر قطرات المرونه."صـــ196ـ
الحس الساخر..
منذ البداية يلحظ القارئ هذا الوميض الساخر والمتسارع وإن خفت فيما بعد وصار يومض بشكل أقل إلا أنه ظل علامة لا يمكن إغفالها..
" آثرت ان أؤجل فضولي حتى أعود إلى شقتي في المساء وأنقب عنه في الإنترنت أو اسأل كونرادو، جاري الفلبيني السمين، لأنه يعرف الكثير عن الحيوانات .ألم يقل إنه كان صياداً قبل أن تخترق ساقه طلقة بندقية خاطئة ، فأصبح سباكاً حتى داهمه زوج ضخم وهو يضاجع زوجته في حمامها الذي كان يصلحه، فأصبح سائق تاكسي حتى اعترض موكب رئيس حزب التحالف الفلبيني فحطموا سيارته، فأصبح كهربائيا حتى الآن؟."صــ7ـ
" ترهل خداي وعنقي أخيراً مثل عجين اختمرت طويلاً. بعد ذلك جمع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا وبعثرها مرة اخرى بمعرفته.."صـــ10ــ
"هذا الملعون يتجاهل تمري ويرحل. الكيلوغرام الواحد من هذا التمر الفاخر أغلى ثمناً من لحمه.."صــ13ـــ
" وانتشرت في المحال قمصان بصورته وهو يغمز بعينه، تباع بالسعر الذي يثير حنقي دائما: تسعة دولارات وتسعة وتسعين سنتاً."صــــ25ــ
"خرجت على سيارتي وأنا أفكر كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي عليّ منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟ هل من المعقول أنه لم يتخذ قراره بشأنها حتى الآن؟ أتراه يمهلني.. أم يمهلهما؟"صـــ37ــ
"منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفّر بالدّين واليتم وهو يشعر بأنها حريق كبير يوشك أن يأخذه. ولذلك ربّانا جميعاً كفرقة إطفاء."صـــ41ــ
" تخيلت أنها إذا استطاعت أن تخلع حذاءها بعد عشر دقائق فقط في شقتي فقد تخلع زوجها إذا أقامت هنا أكثر من أسبوع."صـــــ168ـ
الحكمة..
كعادته يمرر لنا العلوان الكثير من الحكم في العبارات التي لا يمكن أن تمر دون أن تجرح ذاكرتك فتقف تتأمل نزفك، لم يحدد حكيماً بل جعل الحكمة تخرج من كل الشخصيات بشكل عفوي كل حسب بيئته وثقافته..
" لا شيء يجيء متأخراً إلا عللته الأقدار بأسباب حكيمة"صـ38ــ
" من الممكن أن نتحمل مواربة الأبواب غير المحكمة ولكن من الصعب جداً أن تعيش تحت سقف مثقوب"صـ108ـ
" القطارات لا تعود للوراء"صـ180ــ
" دائما هناك امرأة كافية لبعض الوقت"صـــ191ــ
"الحب شيء والنضال من أجله شيء آخر"صــــ202ـــ
"إذا أردنا أن نخنق حباً قديماً، فعلينا أن نسخر منه باستمرار!"صـــــ227ــ
"المسنّون الذين بلغوا من الوهن مبلغه مثلي لا يحسدون يا ولدي، إنهم يتحسّرون فقط. ولتكتشف أنت وحدك يا ولدي أن بين الحسد والحسرة دائماً زقاقاً موغلاً في اليأس"صــــ235ــ
" الأردية الأكثر بياضاً أسرع اتساخاً"صــــ244ـــ
" ما يُسمع مهما كان ثميناً يظل أقل بكثير مما ُيرى." صـــ247ـــ
لغة السرد..
يصعب أن تفلت من لغة علوان السردية بدء من روايته سقف الكفاية مروراً بصوفيا وطوق الطهارة متوقفاً عند القندس هذه اللغة هي مفتاح صبر القارئ على هذا الروائي الجميل، رغم أن السرد لأحداث الجد والأب أخذت الكثير من المساحة التي كان يتطلع لها القارئ لتضاف لـ حكاية العاشقين، أيضا شخصية "ثابت" تماهت كثيرا مع البطل الراوي فصار لسانه وثقافته ويمكن تحديد هذه الفجوة بمقارنة بيئة ثابت التي لم تخرج عن ثقافة الأب و الأم والعمة فاطمة و الأخت بدرية في حين أن هذه الشخصيات لها صوتها المنفرد لا نجد لثابت صوته الخاص إلا في كلمة "يا ولدي" رغم احتلاله لأكثر من 4 فصول من الرواية.
النضج..
في هذه الرواية يتضح جلياً النضج الأدبي والمعرفي لدى حسن علوان
فأنت تجد خليطاً من الروايات تمر عليك وأنت تقرأ القندس، أهمها رواية "حين تركنا الجسر"* وتجد ذاك الرابط حين كان بطل الرواية زكي نداوة مع كلبه وردان ينتظر بزوغ البطة الخرافية، كذلك نجد غالب ينتظر القندس بذاك الترقب والشغف الوصف الآخذ في الدهشة، ذاك الإيغال في الشخصيات ومحاولة الوصول بكل شخصية لنهاية مرضية قدر الإمكان، التنوع في الأعمار و الأمكنة والجنسيات (باسل السوري ، زكي المصري، شفيق الباكستاني، الخدم الاندنوسيات، مخلص الحلاق) في محاولة واضحة لطرح قضايا شائكة كـ الكفالة والعمالة دون التكلف أو زج أحداث طارئة تكون ناتئة في جدار الحبكة. أستطاع أيضا علوان أن يهرب بطريقة سلسة من مأزق التورط في تواريخ بعينها فـ اتبع تقنية فلاش باك ثم أخذ يتنقل في الأزمنة دون وضع الكثير من العلامة بـ استثناء مرحلة ما بعد حرب الخليج ولأن الأحداث اختلفت أزمنتها يصعب تحديد العمر للأبطال لولا ذكر ذلك بوضوح "ست وأربعين سنة" هي ما يمكن توزيع الأحداث عليها.
نستطيع أن نرى هذا النضج رغم أننا مع روائي لم يتخلى عن صناعة كل أبطاله في مصانع الرياض ولم يتخلى عن ذريعته الأثيرة وهي الأبطال الذين ينتظرون تركة أبائهم والأبناء المتمردين والعلاقات التي لا يمكن لها أن تكتمل ما شفع لهذا النضج أن يومض هو تخطي بطل العشرين للأربعين وتكثيف السرد من حين الأماكن والأزمنة والشخوص.
لو سألت نفسك ما هو الشيء الذي يضحكك ويبكيك في آن واحد، لوجدت أن عقلك فكر كثيراً قبل أن يجيب؛ فليس هناك ما يجعلني أضحك وهو في نفس الوقت يجرحني ويبكيني.
بالنسبة لبلال فضل فقد وجد الكثير من المتناقضات في مجتمعه جعلته يصيغ لنا هذه الرواية الساخرة، الحاملة في طياتها ما يضحك الشفاه ويدمي القلوب في نفس الوقت.
جعل من كتابه “ضحك مجروح” المرآة التي نرى فيها كل جروحنا المضحكة، أو ضحكاتنا المجروحة؛ فلا فرق بالنسبة له بين الوصفين ما دام الضحك والجرح كالتوأم السيامي لا يفترقان.
لن تذهب بعيداً فالكتاب القصصي الذي يسرد لنا مجموعة من القصص، والمواقف بلغة مليئة بالإيحاءات ومخلوطة بالعبارات الرائجة في اللهجة المصرية؛ سيجعلك تتأكد أنك في مصر وأنك الآن ستراها بعين الكاتب، ولن تسمع إلا ما يدور في مخيلته.
إذن فلتربط الأحزمة، ولننطلق لنحط رحالنا في أول محطة من محطات “ضحك مجروح”
فتوى في البوس...
المظهر الخارجي يجعلنا في أغلب الأحيان نخطئ الحكم على الأشخاص؛ فربما نقيمهم بعكس ما تحمله أخلاقهم وأفكارهم، وهذا ما حصل مع كاتبنا الذي اعتبره سائق التاكسي البسيط “شيخاً” نظراً للحيته الكثيفة التي تكاسل عن حلقها؛ مما وضعته في موقف محرج مع السائق.
فهذا الأخير كان كل همه أن يجد من يفتيه في تصرف طالما إعتاد القيام بِه بحسن نية ليجد نفسه يشبه تصرفه هذا على حسب قول من حرم تقبيل النقود “ياما ناس بتخرج من الدين كمروق السهم من الرمية” فاحتار الرجل وتكاثفت الأسئلة والخوف بداخله؛ هل أنا بتقبيلي النقود خرجت عن الملة و الدين؟ هل حسن نيتي تحولت إلى حرام أوثم عليه؟؟, فكانت لحية الكاتب طوق نجاته من الأسئلة، رغم أن صاحبنا لا علاقة له بالفتوى ولا بالحلال والحرام؛ كل ما كان ينتويه هو الوصول إلى هدفه الذي خرج من بيته ذلك الصباح مستعجلاً دون حلق لحيته.
حرج “الشيخ” المزعوم حال دون أن يفصح عن هويته التي كادت الكتب التي يحملها أن تفصح بذلك؛ فقد قال “شحنة الضلال المنبعث من الكتب جعلتني أفكر للحظات أن أخلع قناع المشيخة” لكنه تردد ولم يستطع أن يهرب من السؤال الملح ( هل تقبيل النقود حرام؟)، فقد أصبح كل الناس تبحث عن من يفتي في تصرفاتها، وأصبحت سفاسف الأمور أكثرها طلباً للفتوى؛ كل هذا خاطر الكاتب لكنه لا زال في نفس الوضع عليه أن يجيب ولم يكن مُنقذه سوى كتاب “شخصيات غير قلقة في الإسلام” للمفكر العراقي الراحل (هادي العلوي) منحه الفكرة لكي يجيب ببساطة تجعله في نفس الوقت يراوغ في الإجابة المباشرة والحاسمة؛ كانت الفكرة التي قدمها على طبق من _ حديد_ يجب أن ينطلق من نيته و إحساسه هو، فليس كل ما نفعله يستلزم الفتوى؛ الإجابة لم تقنع السائق لأنه لا يريد التفاوض مع نفسه، إنما يريد شماعة يعلق عليها تصرفاته.
لكن للأسف عزيزي السائق لن تنال مبتغاك فقد قرب نزول زبونك …
إما اعتدلت...وإما اعتزلت.
أحلامهما مر بالنسبة للمخير، فكاتبنا يخاطب من يراه طيلة 30عاماً لا يتغير ولا يتبدل يناشد فيه التغيير، ويستعطف فيه التجديد؛ لكنه لا زال كما هو، توسم الأمل و الخير ولم يجد منه سوى الروتين والتكرار؛ في الوهلة الأولى عندما تقرأ ما يكتبه ستعرف أنه يتحدث عن ركاكة الوضع السياسي و السياسيين عن من هم مسؤلون عن التغيير فلا يتغيرون، فكل جملة يصف بها الشخص المنشود لا تخلو من عبارات الإصلاح و التجديد؛ فقد قالها له مراراً و تكراراً إما اعتدلت وإما اعتزلت... لكنك كلما غصت في رسالة المؤلف اكتشفت فئة جديدة ربما هي التي يقصدها بلومه وعتابه ربما يقصدك أنت، أو يقصدني أنا، أو يقصد بعابرته “ إن إخفاءك معالم الشيب في رأسك سيجعلنا نظن أنك لا تشيخ ولا يؤثر عليك الزمن وإن ظهورك دائماً لامعاً متأنقاً سيجعلنا ننسى أنك حاضر في حياتنا منذ زمن بعيد..” كل من يتصنع القوة و الشباب و يتجبر على من هم تحت سلطة.
أكيد إنك تسأل من يقصد المؤلف؟ فلا يعني بكلامه سوى شخص واحد ألا وهو الفنان هاني شاكر بعد إصدار ألبومه الجديد.
سلاح المقاومة.
ربما لم أعب على الكاتب شيء قاله فيما قبل، لكنني وجدت في هذه القصة التي دارت في مصعد برج من أبراج المعادي، ما لا يليق أن يسمى بسلاح مقاومة؛ فالمقاومة أسمى وأرقى من أن تقرن بأتفه الأشياء. فقد جاءت الصدفة أن يلتقي صاحبنا عند باب المصعد بشخص منعه من دخول المصعد بحجة أنه محجوز للسيد “عضو مجلس الشعب” مما أشعل بكلماته تلك نار الحقد، وزاد بداخله الإسرار على الصعود في ذلك المصعد بالذات قائلاً “ طب عليا الحرام ما أنا طالع إلا لما يجي البيه العضو بتاعك وأشوف ليه مش عايز يركب مع الشعب” فقد إستفزه تعجرف السياسي الذي هو في الأصل يجب أن يكون أقرب للشعب من غيره لأنهم إئتمنوه على مصالحهم وحقوقهم؛ هذه هي الكلمات التي كانت تغلي في حلق الكاتب، فقد حانت الفرصة التي يعبر فيها عن كل ما يحمله من شحنة سالبة تجاه تلك النوعية من الأشخاص، لكن إستسلام الخادم جعله يضغط زر الطابق المنشود، ويصعد بهدوء وهو يحلم أن يمثل ما يدور بداخله من ثورة أمام مرآة الحمام.
توقف المصعد عن الحراك وعاد أدراجه ليجعل الكاتب في وجه السيد المرموق وليتشاركا نفس المصعد. بدأت الشتائم والعبارات الهائجة تتدفق إلى فم الكاتب، لكن عيناه ألجمتا شجاعته بعد أن لمحتا السلاح الذي بحوزت الحارسين للسيد العضو؛ وتخيل وضع عائلته لو باح بما في جعبته فمصيره لا محال الموت؛ كان الشر والخير يتصارعان بداخله والإستسلام والمقاومة يتعاركان، فمن سادت كلمته في الأخير؟؟ هذا ما ستعرفه عندما ستقرأ سلاح المقاومة، و ستعرف أن السكوت وعدم التعبير عن الرأي أحياناً لا يعتبر جبناً إنما حبنا لمن هم أهم شيء في حياتنا يجعلنا نؤثر الصمت على فقدان من نحب، وضيق هالة الحرية تخنق فينا التعبير عن ما بداخلنا فنختار الرد بطرق أخرى غير الكلام.
عمود سبعة راكب.
لا تستغرب العنوان فمؤلفنا بخياله الواسع صاغ لنا العبارات التي جاءه إلهامها من ما يكتب على مؤخرات “التكاتك” وسيارات الأجرة، فقد كان يتحدث بالأصل على أعمدة الصحافة التي وصف بعضها بالجيد و يحب القراءة لهم، والأخرى على حد قوله “ لا يستحقون سوى أن يعلقوا على أعمدتهم حتى تأكل الطير من رؤوسهم”؛ تمنى كثيراً لو أن الجرأة المخطوطة على مؤخرات وجوانب سيارات الأجرة موجودة في “ مَنشطات” الصحافة، لكنه سرعان ما أدرك أن خياله الجامح سيؤدي به للهلاك، وسيواري صاحب المَنشِط وراء الشمس للصراحة البالغة. لينقلنا بعد ذلك بتساؤله، لماذا فقط أصحاب الأجرة والتكاتك وسبعة راكب هم من يكتبون هذه العبارات، ويزينون سياراتهم بأسماء أنجالهم مصاحبة بعبارات “و كان أبوهما صالحاً” ولا يهتم بذلك أصحاب السيارات “ الملاكي” و لا أبناؤهم بقدر ما يهتمون بكتابة السيارات نفسها بأسمائهم.
فلا جواب لهذا إلا الصمت؛ فقد (مات الكلام).
جيمس بن بوند عندنا...يا مرحبا يا مرحبا!
ستقع عينك على تواريخ محددة تبين لنا الأحداث التي جرت فيها؛ فقد كلف الكاتب السارد هنا من قبل “ مجلة جوردنيوز سينما” بكتابة فيلم عن جيمس بوند تدور أحداثه في مصر؛ تحمس كثيراً للعرض وأطلق العنان لخياله فنسج قصة رومانسية تجمع فتاة مصرية بالبطل الخارق جيمس بوند، لكنه لن يحكي لنا القصة، فهو هنا يسرد لنا ما ترتب عن تأليفه ذلك الفلم من متاعب؛ لتتوالى الأشهر و تمضي الأيام وحلمه في تحقيق العالمية يندثر ويتبدد يوماً بعد يوم ، فكل الجهات عارضت عليه فكرة ارتباط فتاة مصرية بأجنبي حتى لو كان من جمح الخيال؛ إلى أن إنتهت أوراق الفيلم في يد ظابط الشرطة الذي يحقق في ملف إنتحار المؤلف.
كانت النهاية كذلك لكنها بالنسبة لنا البداية لنفكر في أعماق القصة ونقرأ ما بين السطور، بغض النظر عن ما إذا كنا نؤيد المؤلف أم لا..؟؟ فالقمع؛ والإظطهاد وجهان لعملة واحدة.
حصتك في مصر.
من منا لا يحب وطنه ويعشق ترابه، لكننا نسأل كثيراً أنفسنا هل أوطاننا تبادلنا نفس الحب!؟
ربما نسأل ذلك لما نراه من معاني القمع وإلغاء الحقوق فيها. بلال فضل فكر أن يصف لنا حب الوطن “ لعم لاشين” الفكهاني الذي لا يبيع إلا بلحاً طول السنة و الذي لا يسلم من تسلط البلدية عليه و مطالبته بحقهم من الرشاوي في ماله. و يصف لنا سيد “ سكانر” الشاب الطائش الذي طرد من العمل بسبب تعاطيه للمخدرات، و محاولته إبتزاز والد حبيبته الذي رفض تزويجه إياها. كل هذه المظاهر نعيشها ونراها، لكن من المسؤول عنها؟ نحن أم الوطن؟
لن أجيب، فالسؤال لا يحتاج جواباً إذا كان ما وصفه بلال فضل “ بحصتك في مصر” لم تجعل “ عم لاشين” و “سيد سكانر” إلا أن يضحكا إستهزاءاً، فلم يعد سوى أن نعيد النظر في حب أوطاننا لنا.
رجماً بالغيب.
الغيب لا يعلمه إلا الله، لكن فضولنا يجعلنا نفكر أحياناً في أشياء غريبة، هي ربما لايمكن أن تكون إلا في الخيال كما سيحكي لنا هنا الكاتب عن صديقه الذي أتى لهم بساعة رقمية تقدم عداً تنازلياً لإنتهاء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي “ جورج بوش” فقد جمعهم الفضول في بيت الصديق القادم من بلاد الغرب بهذه الآلة الغريبة.
في الحقيقة لم يكن إعلان إنتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكي هي ما تعنيهم؛ إنما كانت فكرة تجريب الساعة على تحديد فترة إنتهاء رئاسة الرئيس المصري حسني مبارك؛ ربما إستطاعت أن ترجم بالغيب و تخبرنا متى ستنتهي الفترة السادسة في الحكم؟ لتفاجِئهم الآلة بسؤال أدهى و أمر (أنهي مبارك فيهم؟).
أيها الراقدون فوق الشعوب أفيقوا..!
هي عبارة صريحة لكل الرؤساء الذين يقمعون شعوبهم ويخنقون فيهم حرياتهم، ويستبعدون الموت من قاموس كلماتهم. أغلبنا إن لم نكن كلنا نستغرب منظر الحكام والرؤساء في صلاة الجنازة، وهذا ما يقوله بلال فضل، يشرح لنا عدم تصديقنا لهم وهم واقفين متخشبين لا نحس فيهم أي تذلل و لا تأثر بالموقف الذي هم فيه؛ ربما ذلك لما ذكرناه قبل، لنسيانهم الموت وتعاليهم عليه، لرقودهم على أعلى المناصب، وإمتلاكهم زمم الأمور، لا يتخيلون أنفسهم في نفس الوضع. “وإذا كان الموت الذي نعلم جميعاً أنه كفى به واعظاً لن يعظ الحكام العرب فما هو الذي يمكن أن يعظ الحكام العرب غير “بوش” و “كونداليزا رايس”. هذه هي الجملة التي جمع فيها بلال فضل كل ما نسأله ونحسه؛ فليتهم يفكرون فيما سيجيبون خالقهم حين سيسألهم!.
في فلسفة الغيارات.
عندما ستصل إلى هذه الجزئية من الرواية ستجد نفسك، أمام مقارنة غريبة، مضحكة لحد ما لكن ما ستتركه في نفسك من تحسر على حال الأمة والدول العربية، سينسيك الضحك وسيجعلك تفكر مراراً وتكراراً؛ أين نحن من التغيير ومن فلسفة التغيير وسياسة التغيير؟؟ وهل ركاكة الواقع الذي نعيشه أنسانا أن نغير في حياتنا ومجتمعاتنا؟!
ستفكر كثيرا بالتأكيد، وستجد نفسك أمام العنوان التالي في الرواية.
شاطرون في الإملاء.
من منا لا يعرف الإملاء أو حتى كان يكره هذه الكلمة في أيام دراسته؛ أخطاءنا كثيراً فيه، وكما يقول بلال فضل كان الفشل والنجاح في نظر من حولنا يبنى على نجاحنا أو فشلنا فيه؛ فكبرنا وكبر بداخلنا الإملاء لا تتحرك الحياة بدون وجوده في تفاصيلها، فكل يملي على الأخر ما يجب القيام به؛ لا تحركنا قدراتنا ومهاراتنا بقدر ما يحركنا ما يملى علينا ممن حولنا، فكل المجالات لا تخلو من الإملاء، الصحافة تكتب ما يملى عليها والمسؤلون يقولون ما يملى عليهم، و..... لن أجد تعبيراً أشمل مما قاله بلال فضل”ولست أدري ماذا نقول لله عز وجل إذا سألنا يوم القيامة: لقد خلقتكم أحراراً فلماذا قررتم أن تعيشوا كما يملى عليكم؟”
الأصفر مع الجرين.
لن نذهب بعيداً ستجد في أصفر مع الجرين نفس المعنى السابق أو ربما أننا تعودنا على قول جمل متناسقة لا معنى لها فلا يهمنا معناها أو مضمونها المهم ألا تفضح عدم فهمنا للأشياء.
اللونين في العنوان يؤكدان لك أنك في في معرض للفن التشكيلي لوزير الثقافة المصري؛ واللوحات لم يشبها بلال فضل إلا برسومات أبنته؛ لم يفهمها أحد والكل لا يجرؤ على سؤال سيد الوزير عن ما تعنيه لوحاته وألوانه، لكن يكفينا أن نسمع ما يقوله الفنانين الحاضرين المتأملين وهم يصتنعون علامات الإنبهار على وجوههم؛ لنعرف أننا لا نزال نحتاج الكثير من الوقت لنطرد الظلام الذي بداخلنا كي نرى ما حولنا بوضوح.
شلح زنبق أنا!
أصدقكم القول لو قلت أني لم أفهم ما يقصده الكاتب بهذه الجمل المتسلسلة والتي جعل لها عنواناً أغرب منها، لكني أفهم شيء واحداً أن التعبير ينطلق من عمق الإنسان، ولابد أن يكون صافياً نقياً لكي يترك أثراً طيباً لدى من يتلقاه؛ فربما ما ستقرأه فيما بعد سيجعلك تغفر له غموضه هذا, وسأترك لك أيها القارئ فهم ما لم أفهمه أنا عند قراءتك للكتاب.
عزيزي الشاب لا تلعن الظلام...إلعن الشمعة!
حين ستقرأ ما كتب تحت هذا العنوان ستجد نفسك تسير على الخطى التي رسمها الكاتب دون أن تفكر؛ تتخيل معه هذه الحياة التي يعيشها جل شبابنا؛ فقد لخص لنا بلال فضل هنا مجموع الشعارات والكلمات المكتوبة حبراً على ورق ممن يمثلون دور الوعظ للشباب الفاشل في نظرهم و الجاحد لأوطانهم؛ يكتبون لهم وصفات سحرية تجعلهم يغيرون حياتهم، ويوقدون شمعة بدل العيش في الظلام؛ لتتوالى تعليقات الكاتب الساخرة من هذه الشمعة التي في الأصل نورها لا يضيء شيء في وسط الظلام الحالك لقهر الحياة وإنعدام فرص العمل، وأساليب العيش البسيطة والحقوق المهضومة لهؤلاء الشباب... ففي نظر الكاتب لا يملك الشباب سوى التخيل والعيش في عالم إفتراضي لكي يحب وطنه ويوقد شمعة الأمل.
فين جواسيس زمان.
يستهل بلال فضل بمقولة غريبة فيقول “ليس غريباً أن نفشل في الحصول على المركز الأول في الفشل و نأتي في المركز السادس و الثلاثين بين دول العالم الفاشلة، فكل شيء لدينا تدهور مستواه، حتى الجواسيس” لكن ما علاقة الجواسيس بالفشل و تدهور المستوى؟؟ لو حللنا كلماته هذه سنجد أن الفشل ينتج في أغلب الأحيان عن تراجع المستوى في شتى المجلات،ولكي تتأكد أنك في “ضحك مجروح” لا بد أن تجد العلاقة العجيبة بين الفشل و الجواسيس؛ فالكاتب يرى أن مستوانا تدنى لدرجة أن حتى خيانة الوطن والجاسوسية أصبحت بمحض الصدفة، ليستهزئ بجاسوس الطاقة النووية لمصر الذي لم يكن ينوي في الأصل أن يخون بلده لكن إكتشافه لشفرة الطاقة النووية كان صدفة حين كان يحاول التعلم على الحاسوب،مما جعلت صاحب العمل يطرده، ليجد نفسه مضطرا لأن يقبض ثمناً مقابل ما بين يديه من معلومات ليضمن إستمرار معيشته.
فلا أعتقد أن هناك جرحاً مضحكاً أكثر من هذا، و الواقع المر يجعل المبرر لما نفعل أَمَر.
الواد و أبوه.
كلنا تربطنا علاقة مميزة بأبائنا ونحب أن نراهم دائماً قدوتنا في الحياة، لكن يبقى الخلاف لا يفسد للود قضية هذا ما حاول أن يصفه لنا بلال فضل في هذه القصة البسيطة الجامعة لكل معاني التفاهم وإحترام الآراء والإختيارات.
قصة “تيدي” مع والده التي أثرت في الكاتب كثيراً ، لأن هذان الأخيران رغم علاقة البنوة والأبوة التي تجمعهما إلا أن ميولهما السياسي فرقهما؛ رغم أن الأب ورث ميوله من أبائه ليورثه بدوره لإبنه كما كان مخططاً؛ لكن تيدي كسر هذه القاعدة وأعلن إنضمامه للحزب المعارض مما أدى بالأب بفرض عقوبة عليه وهو حرمانه من نفقات الجامعة، لكن الإبن أصر أكثر على موقفه وناضل من أجل قناعته، كسب بذلك ود الناس وإحترامهم؛ الغريب والجميل في نفس الوقت في الأمر أن الإثنين لا زالت تربطهما نفس المحبة والتقدير لبعضهما، ويجمعهم نفس المنزل.
سأعيد نفس الأسئلة التي قالها الكاتب بحرقة؛ متى سنترك أولادنا يكسرون القالب الذي ورثناه نحن عن أبائنا وأجدادنا؟ لماذا لا نتقبل أن يعارضنا أبناؤنا؟ ونعتبر ذلك عقوقاً رغم أن الله خلق الإنسان حراً؟ متى سنرى أنجال الحكام يعارضون أبائهم فيتخذون سياسة غير سياستهم؟ ربما قد حان الوقت لنكسر كل الأغلال التي وضعت في أيدي أبنائنا، لكي نرى إبداعاتهم في الحياة.
ولا الخيال العلمي.
هذه المرة تحدث بلال فضل عن ميدانه؛ فإجتماعه بالمنتج القادم من الخارج، الذي إستوحش الروتين الموجود في السينما المصرية آملاً أن يجد عند مؤلفنا أفكاراً جديدة لسينما جديدة مليئة بالخيال العلمي والتشويق، والرعب كالتي ينتجها الأجانب وكسحت العالم بتفوقها.
جيد جداً أن نفكر في التطوير والتجديد؛ لكن الشيء الذي لفت الكاتب نظر مخاطبه أننا لننتج فيلماً للخيال العلمي لا نحتاج لإمكانيات مادية فقط بل يلزمنا تغيير الحاضر بأكمله ليصدق المشاهد ما سيراه في الفيلم.
هذا الطموح الجامح للمنتج فجر الألم المكنون بداخل الكاتب، تخيل لو أنه يشاهد مشهداً لفيلم مصري البطل فيه يعود بآلة الزمن إلى الماضي بربع قرن، ماذا سيجد؟ سيجد نفس الحاضر و نفس المعانات و نقص في نفس الاحتياجات!،سيجد نفس الفساد، وسيرى نفس الشوارع والمباني وسيسمع نفس الشكاوي، من الغلاء، وإنعدام الضمائر؛ لن يحس أبداً بالفرق ولن تكون لآلة الزمن قيمة...!
فما نحتاجه ليس تغيير الفن والسينما إنما نحتاج تغيير ما بداخلنا وما حولنا من مناكر وظلم وطغيان؛ فالخيال أسهل ما يمكن أن نوهم به أنفسنا، لكن الواقع كسر كل أجنحة تخيلاتنا.
ذات الحذائين.
منتظر الزيدي هو محور حديث الكاتب هذه المرة؛ ذلك الصحفي العراقي الذي أفرغ شحنة كرهه للإحتلال والأعداء برمي حذائه في وجه الرئيس الأمريكي؛ والكاتب بطبعه لن يُفَوِّت هذه الفرصة ليتخيل ذلك الموقف لو أنه حدث في مؤتمر لرئيس عربي، ما العواقب التي ستنجم عليها؟ فبلال فضل على حق في كل ما قاله، فحكامنا لن يقفوا نفس وقفة “بوش” بعد الإنحناءة المرنة، ولن تكون رمية الحذاء تلك رمية “بريئة”، ستقام الدنيا وتقعد، ويفهمها الرئيس أنها مداهمة للقضاء على حياته؛ وسلب كرسيه الذي قبع عليه سنيناً طوالاً دون منازع.
لن تكفي الجمل لوصف الوضع فكلنا نعرفه ونعيشه، ولن نقبل أن ترمى أحذية في أوجه الإحتلال، إن لم نمنع حكامنا من ضربنا بها.
أزهى عصور التليفونات.
من ذكاء بلال فضل ودقة ملاحظتة لم تفته أبسط الأمور دون نقدها وإبراز عيوبها وخصوصاً ماتعلق منها بالسياسة، فهو يتحدث عن مراقبة المكالمات من قبل الدولة لإكتشاف العمليات الإرهابية وقد جمع لنا كمية من السخرية على لسان صديقه الذي خاف على نفسه لكثرة إستعماله لتلفون لأغراض شخصية؛ الفكرة في الأساس سليمة لكن ربما لم يرق لي الأسلوب المستعمل، فمهما تدنت الأوضاع و الوقائع التي نعيشها يجب دائماً أن تكون كلماتنا سامية سمو الأفكار التي تطالب بها.
إنتبه أمامك كمين.
في نفس السياق المعروف لكاتبنا الثائر على ما يراه في مجتمعه من سنين طوال، الذي طفح به الكيل من ظلم وقهر وإستغفال يشرح لنا وجهة نظره في الكمين الطرقي الذي لا يعتبر في الأصل كميناً ما دام ينبه إلى وجوده؛ فقد تعود ذلك المصريون أصبحوا مجبرين على أن يتفاجؤا ويحتاطوا ويمتثلوا لأوامر أمن الدولة؛ فالدولة هنا هي الأمر الناهي والشعب ليس عليه سوى الطاعة.
لو حذرتك حكومتك من الوقوع في كمائن مخطط لها من قبل الحاقدين الراغبين في هدم الأمن وتفكيك الوحدة، فما عليك إلا أن تحذر عزيزي المواطن رغم يقينك أن تكرار الكمين جعل منه شيء ظاهراً ومفهوماً للعيان؛ ولا يحتاج لتحليل سياسي؛ لن أقول لك عزيزي المواطن سوى إنتبه، هم يريدون أن يجعلوك مغفلاً لا تحركك إلا أوامرهم ونواهيهم.
في رثاء الكالسيوم.
سيضحكك الوصف الساخر لأسنان الكاتب فهو لا يلوم أحداً على بشاعتها سوى نفسه لتكاسله في الإهتمام بها؛ إلى أن تدهور حالها, وأصبح الكاتب يخجل من صديقه طبيب الأسنان الذي تعب في تتبعه ونصحه؛ فأسنانه لا تزيد إلا تدهوراً يوماً بعد يوم، وها قد بدأت في التساقط، فلا يذكره بنصائح صديقه سوى الألم، وهذه اللحظة التاريخية التي فقد فيها أول أضراسه فلا عزاء له سوى نقص الكلسيوم في صغره الذي يلوم عليه أمه، لكن في الأصل لا تلام الأم إذا كانت الظروف الصعبة والفقر هما اللذان حرما أطفالنا من أن يعيشوا حياة صحية تملؤها الفيتامنات والكالسيومات.
ولا نلوم الظروف الصعبة على حالنا لأننا بدورنا تقاعسنا وتكاسلنا وأجلنا عمل اليوم إلى الغد منتظرين العصا السحرية التي تغير كل شيء قبيح في حياتنا دون أن نغير ما بأنفسنا.
الذين خلو وجه مصر شوارع.
مهما حاولت تقريبك من مقارنة الكاتب هنا فلن يصلك الوصف إلا حين قراءتك للعبارات التي كررت فيها كلمة الشوارع كثيراً، فمن الشارع تعرف حال البلد، وسياسة حكامها؛ ولو عرف حاكم مصر قراءة شوارع مصر لما جلس على كرسيه طوال هذه السنين دون أن يحس بـتأنيب الضمير.
بصراحة قولي ما الفرق بينك وبين دكر البط؟
رغم أن ما شاهدته مصر من ثورة أجابت على سؤال بلال فضل في هذه الفقرة التي فجر فيها كل ما كان يلمح به في الفقرات السابقة؛ تمرد هو بدوره على كل تشبيه و إيحاء وتلميح؛ فسالك عزيزي القارئ بلغة صريحة و بسؤال شجاع،
متى كانت آخر مرة تمردت فيها؟ سؤال يهزك من داخلك فيوقِظ فيك الروح النائمة على إيقاع الحياة الروتينية والظروف التي لم نتعود أن نقول لا لأي شيء فيها؛ فلم يقلها أبناؤنا وأجدادنا وربونا على ألا نقولها مهما كانت حياتنا مظلمة تمعن الكلمات عزيزي القارئ، فلن يتركك بلال فضل دون أن تفكر في التمرد على شيء صمت عليه منذ أن ولدت فلن تتحمل على نفسك أن تقارن بالحيوانات وأن يفضل عليك الحيوان الذي في نظره لا يحاسب يوم القيامة ولا يسأل عن سكوته أو خضوعه أو تذلله؛ بالتأكيد ستفكر متى أخر مرة تمردت فيها فالتمرد لا يعني العصيان والعقوق لمن تحب سواء كان وطنك أو أهلك أو حتى نفسك؛ إنما هو إصلاح لما يمكن أن يفقدك حب من تحب.
لا تدعني أتغابى عليك!
كما ستبدأ بالقراءة ستجد نفسك كأنك تقرأ النهاية لكن بالتأكيد، لن تخرج بدون مغزى فالمهم والجميل أنك في “ضحك مجروح” لن تمل القراءة والإكتشاف، ستمر في هذه المحطة على “الأصول” المتداول بها في تقاليدنا وأعرافنا إلى أصول الدولة المتاجر بها، إلى أن تجد نفسك بين مفترق طرق بين معناها البسيط ومعناها المشعب والمبهم؛ لا تحتار فالكاتب سيخرجك من المأزق وسيحول فكرك إلى معنى التغابي الذي عوض كل المعاني الأخرى؛ فهو القناع الذي يتدارى وراءه كل المحتالين على ثروات الوطن مهما كانت مناصبهم؛ وستعرف أن الغباء أو التغابي بمعنى أصح أصبح خبرة يتنافس كل السياسيين الذين في نفوسهم مرض على إكتسابها.
هل أنت مثلي؟
حياءنا يمنعنا في كثير من الأحيان من أن نكتب أو أن نقرأ ما لا نستطيع الكلام به أمام العامة، لكن ربما جرءة الكاتب هنا جعلته يتكلم بطلاقة عن موضوع جريء ومهم في آن واحد مصطلح “ مثلي الجنس “ لم نكن نعرفها في مجتمعاتنا بل لم تكن مسموح بها أن تذكر في مجالسنا لكي نقبل بكل سهولة تداولها في صحفنا وإستقبالها في أعرافنا؛ ستغضب للوهلة الأولى لكنك ستغفر له عندما تعرف أن كل ما نطق به لم يكن إلا واقعاً نسمعه ونخشى من إنتشاره.
السباكون الجدد.
مع كل عنوان جديد أقف حائرة بماذا سأبدأ، فجمال المضمون الذي يحمله النص ينسيك الكتابة و يدخلك عالم التأمل؛ لا أنكر أن بعض الألفاظ قطعت عليا رابط المتعة و الإنسجام وجعلتني أتمنى عدم وجودها لكن المعنى الذي يحاول إيصاله هنا ببساطة جميلة، حيث يتحدث عن السباكين أو بمعنى أصح عن إخطلات المهام في مجتمعاتنا وعدم فهم ما نفعله ولا نتقن ما نعمله، رغم أن ديننا الحنيف.
بالنسبة لبلال فضل فقد وجد الكثير من المتناقضات في مجتمعه جعلته يصيغ لنا هذه الرواية الساخرة، الحاملة في طياتها ما يضحك الشفاه ويدمي القلوب في نفس الوقت.جعل من كتابه “ضحك مجروح” المرآة التي نرى فيها كل جروحنا المضحكة، أو ضحكاتنا المجروحة؛ فلا فرق بالنسبة له بين الوصفين ما دام الضحك والجرح كالتوأم السيامي لا يفترقان.
لن تذهب بعيداً فالكتاب القصصي الذي يسرد لنا مجموعة من القصص، والمواقف بلغة مليئة بالإيحاءات ومخلوطة بالعبارات الرائجة في اللهجة المصرية؛ سيجعلك تتأكد أنك في مصر وأنك الآن ستراها بعين الكاتب، ولن تسمع إلا ما يدور في مخيلته.
إذن فلتربط الأحزمة، ولننطلق لنحط رحالنا في أول محطة من محطات “ضحك مجروح”
فتوى في البوس...
المظهر الخارجي يجعلنا في أغلب الأحيان نخطئ الحكم على الأشخاص؛ فربما نقيمهم بعكس ما تحمله أخلاقهم وأفكارهم، وهذا ما حصل مع كاتبنا الذي اعتبره سائق التاكسي البسيط “شيخاً” نظراً للحيته الكثيفة التي تكاسل عن حلقها؛ مما وضعته في موقف محرج مع السائق.
فهذا الأخير كان كل همه أن يجد من يفتيه في تصرف طالما إعتاد القيام بِه بحسن نية ليجد نفسه يشبه تصرفه هذا على حسب قول من حرم تقبيل النقود “ياما ناس بتخرج من الدين كمروق السهم من الرمية” فاحتار الرجل وتكاثفت الأسئلة والخوف بداخله؛ هل أنا بتقبيلي النقود خرجت عن الملة و الدين؟ هل حسن نيتي تحولت إلى حرام أوثم عليه؟؟, فكانت لحية الكاتب طوق نجاته من الأسئلة، رغم أن صاحبنا لا علاقة له بالفتوى ولا بالحلال والحرام؛ كل ما كان ينتويه هو الوصول إلى هدفه الذي خرج من بيته ذلك الصباح مستعجلاً دون حلق لحيته.
حرج “الشيخ” المزعوم حال دون أن يفصح عن هويته التي كادت الكتب التي يحملها أن تفصح بذلك؛ فقد قال “شحنة الضلال المنبعث من الكتب جعلتني أفكر للحظات أن أخلع قناع المشيخة” لكنه تردد ولم يستطع أن يهرب من السؤال الملح ( هل تقبيل النقود حرام؟)، فقد أصبح كل الناس تبحث عن من يفتي في تصرفاتها، وأصبحت سفاسف الأمور أكثرها طلباً للفتوى؛ كل هذا خاطر الكاتب لكنه لا زال في نفس الوضع عليه أن يجيب ولم يكن مُنقذه سوى كتاب “شخصيات غير قلقة في الإسلام” للمفكر العراقي الراحل (هادي العلوي) منحه الفكرة لكي يجيب ببساطة تجعله في نفس الوقت يراوغ في الإجابة المباشرة والحاسمة؛ كانت الفكرة التي قدمها على طبق من _ حديد_ يجب أن ينطلق من نيته و إحساسه هو، فليس كل ما نفعله يستلزم الفتوى؛ الإجابة لم تقنع السائق لأنه لا يريد التفاوض مع نفسه، إنما يريد شماعة يعلق عليها تصرفاته.
لكن للأسف عزيزي السائق لن تنال مبتغاك فقد قرب نزول زبونك …
إما اعتدلت...وإما اعتزلت.
أحلامهما مر بالنسبة للمخير، فكاتبنا يخاطب من يراه طيلة 30عاماً لا يتغير ولا يتبدل يناشد فيه التغيير، ويستعطف فيه التجديد؛ لكنه لا زال كما هو، توسم الأمل و الخير ولم يجد منه سوى الروتين والتكرار؛ في الوهلة الأولى عندما تقرأ ما يكتبه ستعرف أنه يتحدث عن ركاكة الوضع السياسي و السياسيين عن من هم مسؤلون عن التغيير فلا يتغيرون، فكل جملة يصف بها الشخص المنشود لا تخلو من عبارات الإصلاح و التجديد؛ فقد قالها له مراراً و تكراراً إما اعتدلت وإما اعتزلت... لكنك كلما غصت في رسالة المؤلف اكتشفت فئة جديدة ربما هي التي يقصدها بلومه وعتابه ربما يقصدك أنت، أو يقصدني أنا، أو يقصد بعابرته “ إن إخفاءك معالم الشيب في رأسك سيجعلنا نظن أنك لا تشيخ ولا يؤثر عليك الزمن وإن ظهورك دائماً لامعاً متأنقاً سيجعلنا ننسى أنك حاضر في حياتنا منذ زمن بعيد..” كل من يتصنع القوة و الشباب و يتجبر على من هم تحت سلطة.
أكيد إنك تسأل من يقصد المؤلف؟ فلا يعني بكلامه سوى شخص واحد ألا وهو الفنان هاني شاكر بعد إصدار ألبومه الجديد.
سلاح المقاومة.
ربما لم أعب على الكاتب شيء قاله فيما قبل، لكنني وجدت في هذه القصة التي دارت في مصعد برج من أبراج المعادي، ما لا يليق أن يسمى بسلاح مقاومة؛ فالمقاومة أسمى وأرقى من أن تقرن بأتفه الأشياء. فقد جاءت الصدفة أن يلتقي صاحبنا عند باب المصعد بشخص منعه من دخول المصعد بحجة أنه محجوز للسيد “عضو مجلس الشعب” مما أشعل بكلماته تلك نار الحقد، وزاد بداخله الإسرار على الصعود في ذلك المصعد بالذات قائلاً “ طب عليا الحرام ما أنا طالع إلا لما يجي البيه العضو بتاعك وأشوف ليه مش عايز يركب مع الشعب” فقد إستفزه تعجرف السياسي الذي هو في الأصل يجب أن يكون أقرب للشعب من غيره لأنهم إئتمنوه على مصالحهم وحقوقهم؛ هذه هي الكلمات التي كانت تغلي في حلق الكاتب، فقد حانت الفرصة التي يعبر فيها عن كل ما يحمله من شحنة سالبة تجاه تلك النوعية من الأشخاص، لكن إستسلام الخادم جعله يضغط زر الطابق المنشود، ويصعد بهدوء وهو يحلم أن يمثل ما يدور بداخله من ثورة أمام مرآة الحمام.
توقف المصعد عن الحراك وعاد أدراجه ليجعل الكاتب في وجه السيد المرموق وليتشاركا نفس المصعد. بدأت الشتائم والعبارات الهائجة تتدفق إلى فم الكاتب، لكن عيناه ألجمتا شجاعته بعد أن لمحتا السلاح الذي بحوزت الحارسين للسيد العضو؛ وتخيل وضع عائلته لو باح بما في جعبته فمصيره لا محال الموت؛ كان الشر والخير يتصارعان بداخله والإستسلام والمقاومة يتعاركان، فمن سادت كلمته في الأخير؟؟ هذا ما ستعرفه عندما ستقرأ سلاح المقاومة، و ستعرف أن السكوت وعدم التعبير عن الرأي أحياناً لا يعتبر جبناً إنما حبنا لمن هم أهم شيء في حياتنا يجعلنا نؤثر الصمت على فقدان من نحب، وضيق هالة الحرية تخنق فينا التعبير عن ما بداخلنا فنختار الرد بطرق أخرى غير الكلام.
عمود سبعة راكب.
لا تستغرب العنوان فمؤلفنا بخياله الواسع صاغ لنا العبارات التي جاءه إلهامها من ما يكتب على مؤخرات “التكاتك” وسيارات الأجرة، فقد كان يتحدث بالأصل على أعمدة الصحافة التي وصف بعضها بالجيد و يحب القراءة لهم، والأخرى على حد قوله “ لا يستحقون سوى أن يعلقوا على أعمدتهم حتى تأكل الطير من رؤوسهم”؛ تمنى كثيراً لو أن الجرأة المخطوطة على مؤخرات وجوانب سيارات الأجرة موجودة في “ مَنشطات” الصحافة، لكنه سرعان ما أدرك أن خياله الجامح سيؤدي به للهلاك، وسيواري صاحب المَنشِط وراء الشمس للصراحة البالغة. لينقلنا بعد ذلك بتساؤله، لماذا فقط أصحاب الأجرة والتكاتك وسبعة راكب هم من يكتبون هذه العبارات، ويزينون سياراتهم بأسماء أنجالهم مصاحبة بعبارات “و كان أبوهما صالحاً” ولا يهتم بذلك أصحاب السيارات “ الملاكي” و لا أبناؤهم بقدر ما يهتمون بكتابة السيارات نفسها بأسمائهم.
فلا جواب لهذا إلا الصمت؛ فقد (مات الكلام).
جيمس بن بوند عندنا...يا مرحبا يا مرحبا!
ستقع عينك على تواريخ محددة تبين لنا الأحداث التي جرت فيها؛ فقد كلف الكاتب السارد هنا من قبل “ مجلة جوردنيوز سينما” بكتابة فيلم عن جيمس بوند تدور أحداثه في مصر؛ تحمس كثيراً للعرض وأطلق العنان لخياله فنسج قصة رومانسية تجمع فتاة مصرية بالبطل الخارق جيمس بوند، لكنه لن يحكي لنا القصة، فهو هنا يسرد لنا ما ترتب عن تأليفه ذلك الفلم من متاعب؛ لتتوالى الأشهر و تمضي الأيام وحلمه في تحقيق العالمية يندثر ويتبدد يوماً بعد يوم ، فكل الجهات عارضت عليه فكرة ارتباط فتاة مصرية بأجنبي حتى لو كان من جمح الخيال؛ إلى أن إنتهت أوراق الفيلم في يد ظابط الشرطة الذي يحقق في ملف إنتحار المؤلف.
كانت النهاية كذلك لكنها بالنسبة لنا البداية لنفكر في أعماق القصة ونقرأ ما بين السطور، بغض النظر عن ما إذا كنا نؤيد المؤلف أم لا..؟؟ فالقمع؛ والإظطهاد وجهان لعملة واحدة.
حصتك في مصر.
من منا لا يحب وطنه ويعشق ترابه، لكننا نسأل كثيراً أنفسنا هل أوطاننا تبادلنا نفس الحب!؟
ربما نسأل ذلك لما نراه من معاني القمع وإلغاء الحقوق فيها. بلال فضل فكر أن يصف لنا حب الوطن “ لعم لاشين” الفكهاني الذي لا يبيع إلا بلحاً طول السنة و الذي لا يسلم من تسلط البلدية عليه و مطالبته بحقهم من الرشاوي في ماله. و يصف لنا سيد “ سكانر” الشاب الطائش الذي طرد من العمل بسبب تعاطيه للمخدرات، و محاولته إبتزاز والد حبيبته الذي رفض تزويجه إياها. كل هذه المظاهر نعيشها ونراها، لكن من المسؤول عنها؟ نحن أم الوطن؟
لن أجيب، فالسؤال لا يحتاج جواباً إذا كان ما وصفه بلال فضل “ بحصتك في مصر” لم تجعل “ عم لاشين” و “سيد سكانر” إلا أن يضحكا إستهزاءاً، فلم يعد سوى أن نعيد النظر في حب أوطاننا لنا.
رجماً بالغيب.
الغيب لا يعلمه إلا الله، لكن فضولنا يجعلنا نفكر أحياناً في أشياء غريبة، هي ربما لايمكن أن تكون إلا في الخيال كما سيحكي لنا هنا الكاتب عن صديقه الذي أتى لهم بساعة رقمية تقدم عداً تنازلياً لإنتهاء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي “ جورج بوش” فقد جمعهم الفضول في بيت الصديق القادم من بلاد الغرب بهذه الآلة الغريبة.
في الحقيقة لم يكن إعلان إنتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكي هي ما تعنيهم؛ إنما كانت فكرة تجريب الساعة على تحديد فترة إنتهاء رئاسة الرئيس المصري حسني مبارك؛ ربما إستطاعت أن ترجم بالغيب و تخبرنا متى ستنتهي الفترة السادسة في الحكم؟ لتفاجِئهم الآلة بسؤال أدهى و أمر (أنهي مبارك فيهم؟).
أيها الراقدون فوق الشعوب أفيقوا..!
هي عبارة صريحة لكل الرؤساء الذين يقمعون شعوبهم ويخنقون فيهم حرياتهم، ويستبعدون الموت من قاموس كلماتهم. أغلبنا إن لم نكن كلنا نستغرب منظر الحكام والرؤساء في صلاة الجنازة، وهذا ما يقوله بلال فضل، يشرح لنا عدم تصديقنا لهم وهم واقفين متخشبين لا نحس فيهم أي تذلل و لا تأثر بالموقف الذي هم فيه؛ ربما ذلك لما ذكرناه قبل، لنسيانهم الموت وتعاليهم عليه، لرقودهم على أعلى المناصب، وإمتلاكهم زمم الأمور، لا يتخيلون أنفسهم في نفس الوضع. “وإذا كان الموت الذي نعلم جميعاً أنه كفى به واعظاً لن يعظ الحكام العرب فما هو الذي يمكن أن يعظ الحكام العرب غير “بوش” و “كونداليزا رايس”. هذه هي الجملة التي جمع فيها بلال فضل كل ما نسأله ونحسه؛ فليتهم يفكرون فيما سيجيبون خالقهم حين سيسألهم!.
في فلسفة الغيارات.
عندما ستصل إلى هذه الجزئية من الرواية ستجد نفسك، أمام مقارنة غريبة، مضحكة لحد ما لكن ما ستتركه في نفسك من تحسر على حال الأمة والدول العربية، سينسيك الضحك وسيجعلك تفكر مراراً وتكراراً؛ أين نحن من التغيير ومن فلسفة التغيير وسياسة التغيير؟؟ وهل ركاكة الواقع الذي نعيشه أنسانا أن نغير في حياتنا ومجتمعاتنا؟!
ستفكر كثيرا بالتأكيد، وستجد نفسك أمام العنوان التالي في الرواية.
شاطرون في الإملاء.
من منا لا يعرف الإملاء أو حتى كان يكره هذه الكلمة في أيام دراسته؛ أخطاءنا كثيراً فيه، وكما يقول بلال فضل كان الفشل والنجاح في نظر من حولنا يبنى على نجاحنا أو فشلنا فيه؛ فكبرنا وكبر بداخلنا الإملاء لا تتحرك الحياة بدون وجوده في تفاصيلها، فكل يملي على الأخر ما يجب القيام به؛ لا تحركنا قدراتنا ومهاراتنا بقدر ما يحركنا ما يملى علينا ممن حولنا، فكل المجالات لا تخلو من الإملاء، الصحافة تكتب ما يملى عليها والمسؤلون يقولون ما يملى عليهم، و..... لن أجد تعبيراً أشمل مما قاله بلال فضل”ولست أدري ماذا نقول لله عز وجل إذا سألنا يوم القيامة: لقد خلقتكم أحراراً فلماذا قررتم أن تعيشوا كما يملى عليكم؟”
الأصفر مع الجرين.
لن نذهب بعيداً ستجد في أصفر مع الجرين نفس المعنى السابق أو ربما أننا تعودنا على قول جمل متناسقة لا معنى لها فلا يهمنا معناها أو مضمونها المهم ألا تفضح عدم فهمنا للأشياء.
اللونين في العنوان يؤكدان لك أنك في في معرض للفن التشكيلي لوزير الثقافة المصري؛ واللوحات لم يشبها بلال فضل إلا برسومات أبنته؛ لم يفهمها أحد والكل لا يجرؤ على سؤال سيد الوزير عن ما تعنيه لوحاته وألوانه، لكن يكفينا أن نسمع ما يقوله الفنانين الحاضرين المتأملين وهم يصتنعون علامات الإنبهار على وجوههم؛ لنعرف أننا لا نزال نحتاج الكثير من الوقت لنطرد الظلام الذي بداخلنا كي نرى ما حولنا بوضوح.
شلح زنبق أنا!
أصدقكم القول لو قلت أني لم أفهم ما يقصده الكاتب بهذه الجمل المتسلسلة والتي جعل لها عنواناً أغرب منها، لكني أفهم شيء واحداً أن التعبير ينطلق من عمق الإنسان، ولابد أن يكون صافياً نقياً لكي يترك أثراً طيباً لدى من يتلقاه؛ فربما ما ستقرأه فيما بعد سيجعلك تغفر له غموضه هذا, وسأترك لك أيها القارئ فهم ما لم أفهمه أنا عند قراءتك للكتاب.
عزيزي الشاب لا تلعن الظلام...إلعن الشمعة!
حين ستقرأ ما كتب تحت هذا العنوان ستجد نفسك تسير على الخطى التي رسمها الكاتب دون أن تفكر؛ تتخيل معه هذه الحياة التي يعيشها جل شبابنا؛ فقد لخص لنا بلال فضل هنا مجموع الشعارات والكلمات المكتوبة حبراً على ورق ممن يمثلون دور الوعظ للشباب الفاشل في نظرهم و الجاحد لأوطانهم؛ يكتبون لهم وصفات سحرية تجعلهم يغيرون حياتهم، ويوقدون شمعة بدل العيش في الظلام؛ لتتوالى تعليقات الكاتب الساخرة من هذه الشمعة التي في الأصل نورها لا يضيء شيء في وسط الظلام الحالك لقهر الحياة وإنعدام فرص العمل، وأساليب العيش البسيطة والحقوق المهضومة لهؤلاء الشباب... ففي نظر الكاتب لا يملك الشباب سوى التخيل والعيش في عالم إفتراضي لكي يحب وطنه ويوقد شمعة الأمل.
فين جواسيس زمان.
يستهل بلال فضل بمقولة غريبة فيقول “ليس غريباً أن نفشل في الحصول على المركز الأول في الفشل و نأتي في المركز السادس و الثلاثين بين دول العالم الفاشلة، فكل شيء لدينا تدهور مستواه، حتى الجواسيس” لكن ما علاقة الجواسيس بالفشل و تدهور المستوى؟؟ لو حللنا كلماته هذه سنجد أن الفشل ينتج في أغلب الأحيان عن تراجع المستوى في شتى المجلات،ولكي تتأكد أنك في “ضحك مجروح” لا بد أن تجد العلاقة العجيبة بين الفشل و الجواسيس؛ فالكاتب يرى أن مستوانا تدنى لدرجة أن حتى خيانة الوطن والجاسوسية أصبحت بمحض الصدفة، ليستهزئ بجاسوس الطاقة النووية لمصر الذي لم يكن ينوي في الأصل أن يخون بلده لكن إكتشافه لشفرة الطاقة النووية كان صدفة حين كان يحاول التعلم على الحاسوب،مما جعلت صاحب العمل يطرده، ليجد نفسه مضطرا لأن يقبض ثمناً مقابل ما بين يديه من معلومات ليضمن إستمرار معيشته.
فلا أعتقد أن هناك جرحاً مضحكاً أكثر من هذا، و الواقع المر يجعل المبرر لما نفعل أَمَر.
الواد و أبوه.
كلنا تربطنا علاقة مميزة بأبائنا ونحب أن نراهم دائماً قدوتنا في الحياة، لكن يبقى الخلاف لا يفسد للود قضية هذا ما حاول أن يصفه لنا بلال فضل في هذه القصة البسيطة الجامعة لكل معاني التفاهم وإحترام الآراء والإختيارات.
قصة “تيدي” مع والده التي أثرت في الكاتب كثيراً ، لأن هذان الأخيران رغم علاقة البنوة والأبوة التي تجمعهما إلا أن ميولهما السياسي فرقهما؛ رغم أن الأب ورث ميوله من أبائه ليورثه بدوره لإبنه كما كان مخططاً؛ لكن تيدي كسر هذه القاعدة وأعلن إنضمامه للحزب المعارض مما أدى بالأب بفرض عقوبة عليه وهو حرمانه من نفقات الجامعة، لكن الإبن أصر أكثر على موقفه وناضل من أجل قناعته، كسب بذلك ود الناس وإحترامهم؛ الغريب والجميل في نفس الوقت في الأمر أن الإثنين لا زالت تربطهما نفس المحبة والتقدير لبعضهما، ويجمعهم نفس المنزل.
سأعيد نفس الأسئلة التي قالها الكاتب بحرقة؛ متى سنترك أولادنا يكسرون القالب الذي ورثناه نحن عن أبائنا وأجدادنا؟ لماذا لا نتقبل أن يعارضنا أبناؤنا؟ ونعتبر ذلك عقوقاً رغم أن الله خلق الإنسان حراً؟ متى سنرى أنجال الحكام يعارضون أبائهم فيتخذون سياسة غير سياستهم؟ ربما قد حان الوقت لنكسر كل الأغلال التي وضعت في أيدي أبنائنا، لكي نرى إبداعاتهم في الحياة.
ولا الخيال العلمي.
هذه المرة تحدث بلال فضل عن ميدانه؛ فإجتماعه بالمنتج القادم من الخارج، الذي إستوحش الروتين الموجود في السينما المصرية آملاً أن يجد عند مؤلفنا أفكاراً جديدة لسينما جديدة مليئة بالخيال العلمي والتشويق، والرعب كالتي ينتجها الأجانب وكسحت العالم بتفوقها.
جيد جداً أن نفكر في التطوير والتجديد؛ لكن الشيء الذي لفت الكاتب نظر مخاطبه أننا لننتج فيلماً للخيال العلمي لا نحتاج لإمكانيات مادية فقط بل يلزمنا تغيير الحاضر بأكمله ليصدق المشاهد ما سيراه في الفيلم.
هذا الطموح الجامح للمنتج فجر الألم المكنون بداخل الكاتب، تخيل لو أنه يشاهد مشهداً لفيلم مصري البطل فيه يعود بآلة الزمن إلى الماضي بربع قرن، ماذا سيجد؟ سيجد نفس الحاضر و نفس المعانات و نقص في نفس الاحتياجات!،سيجد نفس الفساد، وسيرى نفس الشوارع والمباني وسيسمع نفس الشكاوي، من الغلاء، وإنعدام الضمائر؛ لن يحس أبداً بالفرق ولن تكون لآلة الزمن قيمة...!
فما نحتاجه ليس تغيير الفن والسينما إنما نحتاج تغيير ما بداخلنا وما حولنا من مناكر وظلم وطغيان؛ فالخيال أسهل ما يمكن أن نوهم به أنفسنا، لكن الواقع كسر كل أجنحة تخيلاتنا.
ذات الحذائين.
منتظر الزيدي هو محور حديث الكاتب هذه المرة؛ ذلك الصحفي العراقي الذي أفرغ شحنة كرهه للإحتلال والأعداء برمي حذائه في وجه الرئيس الأمريكي؛ والكاتب بطبعه لن يُفَوِّت هذه الفرصة ليتخيل ذلك الموقف لو أنه حدث في مؤتمر لرئيس عربي، ما العواقب التي ستنجم عليها؟ فبلال فضل على حق في كل ما قاله، فحكامنا لن يقفوا نفس وقفة “بوش” بعد الإنحناءة المرنة، ولن تكون رمية الحذاء تلك رمية “بريئة”، ستقام الدنيا وتقعد، ويفهمها الرئيس أنها مداهمة للقضاء على حياته؛ وسلب كرسيه الذي قبع عليه سنيناً طوالاً دون منازع.
لن تكفي الجمل لوصف الوضع فكلنا نعرفه ونعيشه، ولن نقبل أن ترمى أحذية في أوجه الإحتلال، إن لم نمنع حكامنا من ضربنا بها.
أزهى عصور التليفونات.
من ذكاء بلال فضل ودقة ملاحظتة لم تفته أبسط الأمور دون نقدها وإبراز عيوبها وخصوصاً ماتعلق منها بالسياسة، فهو يتحدث عن مراقبة المكالمات من قبل الدولة لإكتشاف العمليات الإرهابية وقد جمع لنا كمية من السخرية على لسان صديقه الذي خاف على نفسه لكثرة إستعماله لتلفون لأغراض شخصية؛ الفكرة في الأساس سليمة لكن ربما لم يرق لي الأسلوب المستعمل، فمهما تدنت الأوضاع و الوقائع التي نعيشها يجب دائماً أن تكون كلماتنا سامية سمو الأفكار التي تطالب بها.
إنتبه أمامك كمين.
في نفس السياق المعروف لكاتبنا الثائر على ما يراه في مجتمعه من سنين طوال، الذي طفح به الكيل من ظلم وقهر وإستغفال يشرح لنا وجهة نظره في الكمين الطرقي الذي لا يعتبر في الأصل كميناً ما دام ينبه إلى وجوده؛ فقد تعود ذلك المصريون أصبحوا مجبرين على أن يتفاجؤا ويحتاطوا ويمتثلوا لأوامر أمن الدولة؛ فالدولة هنا هي الأمر الناهي والشعب ليس عليه سوى الطاعة.
لو حذرتك حكومتك من الوقوع في كمائن مخطط لها من قبل الحاقدين الراغبين في هدم الأمن وتفكيك الوحدة، فما عليك إلا أن تحذر عزيزي المواطن رغم يقينك أن تكرار الكمين جعل منه شيء ظاهراً ومفهوماً للعيان؛ ولا يحتاج لتحليل سياسي؛ لن أقول لك عزيزي المواطن سوى إنتبه، هم يريدون أن يجعلوك مغفلاً لا تحركك إلا أوامرهم ونواهيهم.
في رثاء الكالسيوم.
سيضحكك الوصف الساخر لأسنان الكاتب فهو لا يلوم أحداً على بشاعتها سوى نفسه لتكاسله في الإهتمام بها؛ إلى أن تدهور حالها, وأصبح الكاتب يخجل من صديقه طبيب الأسنان الذي تعب في تتبعه ونصحه؛ فأسنانه لا تزيد إلا تدهوراً يوماً بعد يوم، وها قد بدأت في التساقط، فلا يذكره بنصائح صديقه سوى الألم، وهذه اللحظة التاريخية التي فقد فيها أول أضراسه فلا عزاء له سوى نقص الكلسيوم في صغره الذي يلوم عليه أمه، لكن في الأصل لا تلام الأم إذا كانت الظروف الصعبة والفقر هما اللذان حرما أطفالنا من أن يعيشوا حياة صحية تملؤها الفيتامنات والكالسيومات.
ولا نلوم الظروف الصعبة على حالنا لأننا بدورنا تقاعسنا وتكاسلنا وأجلنا عمل اليوم إلى الغد منتظرين العصا السحرية التي تغير كل شيء قبيح في حياتنا دون أن نغير ما بأنفسنا.
الذين خلو وجه مصر شوارع.
مهما حاولت تقريبك من مقارنة الكاتب هنا فلن يصلك الوصف إلا حين قراءتك للعبارات التي كررت فيها كلمة الشوارع كثيراً، فمن الشارع تعرف حال البلد، وسياسة حكامها؛ ولو عرف حاكم مصر قراءة شوارع مصر لما جلس على كرسيه طوال هذه السنين دون أن يحس بـتأنيب الضمير.
بصراحة قولي ما الفرق بينك وبين دكر البط؟
رغم أن ما شاهدته مصر من ثورة أجابت على سؤال بلال فضل في هذه الفقرة التي فجر فيها كل ما كان يلمح به في الفقرات السابقة؛ تمرد هو بدوره على كل تشبيه و إيحاء وتلميح؛ فسالك عزيزي القارئ بلغة صريحة و بسؤال شجاع،
متى كانت آخر مرة تمردت فيها؟ سؤال يهزك من داخلك فيوقِظ فيك الروح النائمة على إيقاع الحياة الروتينية والظروف التي لم نتعود أن نقول لا لأي شيء فيها؛ فلم يقلها أبناؤنا وأجدادنا وربونا على ألا نقولها مهما كانت حياتنا مظلمة تمعن الكلمات عزيزي القارئ، فلن يتركك بلال فضل دون أن تفكر في التمرد على شيء صمت عليه منذ أن ولدت فلن تتحمل على نفسك أن تقارن بالحيوانات وأن يفضل عليك الحيوان الذي في نظره لا يحاسب يوم القيامة ولا يسأل عن سكوته أو خضوعه أو تذلله؛ بالتأكيد ستفكر متى أخر مرة تمردت فيها فالتمرد لا يعني العصيان والعقوق لمن تحب سواء كان وطنك أو أهلك أو حتى نفسك؛ إنما هو إصلاح لما يمكن أن يفقدك حب من تحب.
لا تدعني أتغابى عليك!
كما ستبدأ بالقراءة ستجد نفسك كأنك تقرأ النهاية لكن بالتأكيد، لن تخرج بدون مغزى فالمهم والجميل أنك في “ضحك مجروح” لن تمل القراءة والإكتشاف، ستمر في هذه المحطة على “الأصول” المتداول بها في تقاليدنا وأعرافنا إلى أصول الدولة المتاجر بها، إلى أن تجد نفسك بين مفترق طرق بين معناها البسيط ومعناها المشعب والمبهم؛ لا تحتار فالكاتب سيخرجك من المأزق وسيحول فكرك إلى معنى التغابي الذي عوض كل المعاني الأخرى؛ فهو القناع الذي يتدارى وراءه كل المحتالين على ثروات الوطن مهما كانت مناصبهم؛ وستعرف أن الغباء أو التغابي بمعنى أصح أصبح خبرة يتنافس كل السياسيين الذين في نفوسهم مرض على إكتسابها.
هل أنت مثلي؟
حياءنا يمنعنا في كثير من الأحيان من أن نكتب أو أن نقرأ ما لا نستطيع الكلام به أمام العامة، لكن ربما جرءة الكاتب هنا جعلته يتكلم بطلاقة عن موضوع جريء ومهم في آن واحد مصطلح “ مثلي الجنس “ لم نكن نعرفها في مجتمعاتنا بل لم تكن مسموح بها أن تذكر في مجالسنا لكي نقبل بكل سهولة تداولها في صحفنا وإستقبالها في أعرافنا؛ ستغضب للوهلة الأولى لكنك ستغفر له عندما تعرف أن كل ما نطق به لم يكن إلا واقعاً نسمعه ونخشى من إنتشاره.
السباكون الجدد.
مع كل عنوان جديد أقف حائرة بماذا سأبدأ، فجمال المضمون الذي يحمله النص ينسيك الكتابة و يدخلك عالم التأمل؛ لا أنكر أن بعض الألفاظ قطعت عليا رابط المتعة و الإنسجام وجعلتني أتمنى عدم وجودها لكن المعنى الذي يحاول إيصاله هنا ببساطة جميلة، حيث يتحدث عن السباكين أو بمعنى أصح عن إخطلات المهام في مجتمعاتنا وعدم فهم ما نفعله ولا نتقن ما نعمله، رغم أن ديننا الحنيف.
"هذا لا يحدث حتى في الأحلام" هي جملة تتردد كثيرا حينما تشهدنا الحياة على حدث إيجابي أو سلبي متمادي في الغرابة،وكأن الأحلام هي المنطقة المباحة للغرابة،وكأنهاهي التي تتقبل كل شيء ولا تبخل على أحد بمنحه بما في خياله،وليس بالعجيب أن نرى مجموعة من الناس يتداولون حلما لأحدهم أو لمجموعة من أحلامهم بغرض تفسيرهاأو فهمها ،ومنهم من يستعين بكتاب لتفسير الأحلام و،منهم من يرسل فحوى حلمه في رسالة نصية ليفسر له أحد الشيوخ ذلك الحلم.
عالم الأحلام المجهول يشد العديد من الناس لمعرفة المزيد عنه ليسترقوا السمع لما حدث لهم سابقا أو ليختلسوا النظر إلى ما سيحدث لهم مستقبلا حسب ظنهم،وهناك من يتعامل مع التفسيرات بجدية تامة ويخطط لحياته على أساس ذلك ،وهناك من يعزف عن تصديها،وهناك من يصدق التفسيرات حسب ما يطيب له وجدانه،وقد تحتدم المناقشات حول الأحلام بين الناس لنكتشف بأن موضوع النقاش كان عن حلم لم يتذكر صاحبه سوى النصف منه!
كتاب (كيف نحلم؟) من تأليف إيزابيل أرنولف،يصور من يحلم بحال الأصم والأعمى والأبكم فيأتي الحلم ليضع الكلمات فيه فمه ويجعل أذنه تصغي و يضع الصور أمام عينيه،ويبدو لنا الإنسان كبطل فيلم أو كمن وقع في فيلم أو كمشاهد دخل صالة السينما دون أن يدفع ثمن التذكرة ودون أن يكتشف أمره من حوله،وجاء عالم يدعى هانز برجر ليقوم بدراسة تحركات الدماغ أثناء النوم وظاهرة الحلم،ومن ثم تبعه علماء آخرون لتفحصوا مراحل النوم ومراحل الحلم،والعلماء قاموا بإنشاء ما أسموه "بنوك للأحلام"،والكتاب هو عبارة عن جزء ثانٍ لكتاب المؤلفة السابق وهو (كيف ننام؟)،فتم التطرق إلى نوعي النوم وهما :"النوم البطيء "و"النوم المفارق"،وفي النوم البطيء وما به من قلة أكسجين وقلة سكر تتولد ظاهرة الأحلام ويشرع الجسد في الشعور بالإسترخاء الكبير،وكلما تعمق النوم كلما تضاعفت فرص إستضاءة الأحلام،أما النوم المفارق فهو وإن كانت فيه راحة كما عند القطط التي تنام فيه على بطريقة غريبة وكما عند الأحصنة التي تنام وهي واقفة،ولدى الإنسان قد يأتي والإنسان يمارس اليوغا ،ودماغ الإنسان يعمل أكثر في النوم المفارق ويحتاج إلى كمية سكر أكثر،و عودة للأمثلة من عالم الحيوانات ،فالبطة ينمام نصف جسدها والدلفين يغلق جزءا ويفتح جزءا آخر،وهذا يعني بأن نصف الدماغ يعمل كما في حالة الصحو أما النصف الآخر فهو مسترخي،وهذه الظاهرة هي لا تحدث لدى الإنسان بتلك الصورة،ومن ثم تم شرح ظاهرة "السرنمة" وهي أن يتصرف الإنسان حسب ما يدور في أحلامه فعليا وهو نائم ،فإذا كانت القطط تحلم بما ستصطاده وتتصرف على هذا الأساس ،فمن تصيبهم السرنمة قد يحللون مباراة فريقهم الرياضي و ينفعلون تجاه نتائجه ويحركون أيديهم كما لو كان ذلك حقيقة،ومن المثير أن ظاهرة السرنمة هي شائعة جدا لدى الأطفال و لاتعد بالحدث الغير مألوف،وهناك ظاهرة "الرعب الليلي" وهي الفزع أثناء النوم من مشهد في الحلم ويتبعه ضيق في التنفس وإطلاق صيحات،كل هذا والشخص الحالم قد لا يتذكر ما أفزعه،وهناك "الهلوسات النعاسية" وهي تقتحم حلم المصاب بها بالرغم من إرادته وهي رؤى تأتي والشخص لم يطبق عينيه تماما،وحاول بعض العلماء كأوجين أزرينسكي وناتانيال كليتمان دراسة مضامين الأحلام وفهما تفصيليلا ،وكان ذلك صعبا لإن الكثير من الأشخاص لم يتمكنوا من إستدعاء كل ما ورد في أحلامهم ،وربما سبب عدم القدرة على إستدعاء ما في الأحلام هو إختلاف شخصيات الناس وظروفهم وكذلك ساعات نومهم ،وهناك أنواع من التدريبات تساعد على الإسراع في حفظ بعض مما ورد في الحلم ،ومن العلماء من فكروا في إحتمالية إن كانت ذاكرة الإنسان الموجودة في دماغه هي من تتلاعب بما في أحلامه،بمعنى إنها تعيد أمامه مقاطع لأحداث مر بها في زمن مضى من حياته،وكأن الأحلام هي منفذ عبور لمواقف لم تقتنع الذاكرة بنسيانها فبثتها في الأحلام،وقام العلماء بتجارب على مجموعة من الفئران أولا للتأكد من صحة إستنتاجاتهم من عدمها ثم حاولوا تطبيقها على البشر وأحلامهم وأدمغتهم،وأيضا تم العروج بالكلام عن ظاهرة الأحلام التحذيرية ،وهي الأحلام التي فيها إنذار بقدوم أحداث غير سعيدة فيحذر الحالم مما قد يحصل له ،وهي ظاهرة ما زالت محل جدل كبير،وبالطبع هناك الكوابيس التي تفنن علماء النفس وبعد ذلك رافقهم علماء العلوم في السعي لفهمها وتخفيف معاناة من إبتلوا بها كمرض وكذلك الأرق المزمن ،وفي نهاية الكتاب وضعت فرضيات حول منافع الحلم ومنها أنه يجدد انشطة الدماغ وأيضا ربما يحقق نوع من الإستجمام !
كتاب (كيف نحلم؟) من تأليف إيزابيل أرنولف،يوقظ فكرة بأن الأحلام لها معاني ومغازي وإن لم ندركها جميعها!
عالم الأحلام المجهول يشد العديد من الناس لمعرفة المزيد عنه ليسترقوا السمع لما حدث لهم سابقا أو ليختلسوا النظر إلى ما سيحدث لهم مستقبلا حسب ظنهم،وهناك من يتعامل مع التفسيرات بجدية تامة ويخطط لحياته على أساس ذلك ،وهناك من يعزف عن تصديها،وهناك من يصدق التفسيرات حسب ما يطيب له وجدانه،وقد تحتدم المناقشات حول الأحلام بين الناس لنكتشف بأن موضوع النقاش كان عن حلم لم يتذكر صاحبه سوى النصف منه!
كتاب (كيف نحلم؟) من تأليف إيزابيل أرنولف،يصور من يحلم بحال الأصم والأعمى والأبكم فيأتي الحلم ليضع الكلمات فيه فمه ويجعل أذنه تصغي و يضع الصور أمام عينيه،ويبدو لنا الإنسان كبطل فيلم أو كمن وقع في فيلم أو كمشاهد دخل صالة السينما دون أن يدفع ثمن التذكرة ودون أن يكتشف أمره من حوله،وجاء عالم يدعى هانز برجر ليقوم بدراسة تحركات الدماغ أثناء النوم وظاهرة الحلم،ومن ثم تبعه علماء آخرون لتفحصوا مراحل النوم ومراحل الحلم،والعلماء قاموا بإنشاء ما أسموه "بنوك للأحلام"،والكتاب هو عبارة عن جزء ثانٍ لكتاب المؤلفة السابق وهو (كيف ننام؟)،فتم التطرق إلى نوعي النوم وهما :"النوم البطيء "و"النوم المفارق"،وفي النوم البطيء وما به من قلة أكسجين وقلة سكر تتولد ظاهرة الأحلام ويشرع الجسد في الشعور بالإسترخاء الكبير،وكلما تعمق النوم كلما تضاعفت فرص إستضاءة الأحلام،أما النوم المفارق فهو وإن كانت فيه راحة كما عند القطط التي تنام فيه على بطريقة غريبة وكما عند الأحصنة التي تنام وهي واقفة،ولدى الإنسان قد يأتي والإنسان يمارس اليوغا ،ودماغ الإنسان يعمل أكثر في النوم المفارق ويحتاج إلى كمية سكر أكثر،و عودة للأمثلة من عالم الحيوانات ،فالبطة ينمام نصف جسدها والدلفين يغلق جزءا ويفتح جزءا آخر،وهذا يعني بأن نصف الدماغ يعمل كما في حالة الصحو أما النصف الآخر فهو مسترخي،وهذه الظاهرة هي لا تحدث لدى الإنسان بتلك الصورة،ومن ثم تم شرح ظاهرة "السرنمة" وهي أن يتصرف الإنسان حسب ما يدور في أحلامه فعليا وهو نائم ،فإذا كانت القطط تحلم بما ستصطاده وتتصرف على هذا الأساس ،فمن تصيبهم السرنمة قد يحللون مباراة فريقهم الرياضي و ينفعلون تجاه نتائجه ويحركون أيديهم كما لو كان ذلك حقيقة،ومن المثير أن ظاهرة السرنمة هي شائعة جدا لدى الأطفال و لاتعد بالحدث الغير مألوف،وهناك ظاهرة "الرعب الليلي" وهي الفزع أثناء النوم من مشهد في الحلم ويتبعه ضيق في التنفس وإطلاق صيحات،كل هذا والشخص الحالم قد لا يتذكر ما أفزعه،وهناك "الهلوسات النعاسية" وهي تقتحم حلم المصاب بها بالرغم من إرادته وهي رؤى تأتي والشخص لم يطبق عينيه تماما،وحاول بعض العلماء كأوجين أزرينسكي وناتانيال كليتمان دراسة مضامين الأحلام وفهما تفصيليلا ،وكان ذلك صعبا لإن الكثير من الأشخاص لم يتمكنوا من إستدعاء كل ما ورد في أحلامهم ،وربما سبب عدم القدرة على إستدعاء ما في الأحلام هو إختلاف شخصيات الناس وظروفهم وكذلك ساعات نومهم ،وهناك أنواع من التدريبات تساعد على الإسراع في حفظ بعض مما ورد في الحلم ،ومن العلماء من فكروا في إحتمالية إن كانت ذاكرة الإنسان الموجودة في دماغه هي من تتلاعب بما في أحلامه،بمعنى إنها تعيد أمامه مقاطع لأحداث مر بها في زمن مضى من حياته،وكأن الأحلام هي منفذ عبور لمواقف لم تقتنع الذاكرة بنسيانها فبثتها في الأحلام،وقام العلماء بتجارب على مجموعة من الفئران أولا للتأكد من صحة إستنتاجاتهم من عدمها ثم حاولوا تطبيقها على البشر وأحلامهم وأدمغتهم،وأيضا تم العروج بالكلام عن ظاهرة الأحلام التحذيرية ،وهي الأحلام التي فيها إنذار بقدوم أحداث غير سعيدة فيحذر الحالم مما قد يحصل له ،وهي ظاهرة ما زالت محل جدل كبير،وبالطبع هناك الكوابيس التي تفنن علماء النفس وبعد ذلك رافقهم علماء العلوم في السعي لفهمها وتخفيف معاناة من إبتلوا بها كمرض وكذلك الأرق المزمن ،وفي نهاية الكتاب وضعت فرضيات حول منافع الحلم ومنها أنه يجدد انشطة الدماغ وأيضا ربما يحقق نوع من الإستجمام !
كتاب (كيف نحلم؟) من تأليف إيزابيل أرنولف،يوقظ فكرة بأن الأحلام لها معاني ومغازي وإن لم ندركها جميعها!
يقول آل جور عبر كتابه "هجوم على العقل"، إن التضليل الذي يحدث في عملية صنع القرار داخل الولايات المتحدة، نتيجة سياسات الخوف والسرية والثقة العمياء، وهو الشيء الذي أدى، حسبما يقول جور إلى الهبوط بمستوى الديمقراطية وتعرض أميركا والعالم للخطر.
في بداية الكتاب، يعود جور إلى قواعد الديمقراطية وتبادل الأفكار أو ما يعرف بـ "سوق الأفكار" التي اعتمدها المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة، والتي ساعدت على إبراز النموذج الديمقراطي الأمثل الذي أذهل العالم وجعله مبهوراً، حين بدأ يطل على سكان الأرض مع بدايات القرن العشرين.
وهذه القواعد يحددها آل جور في:
1- كانت سوق الأفكار مفتوحة لكل فرد دون أي موانع للدخول سوى شرط الإلمام بالقراءة والكتابة، وكان للجميع القدرة على "المشاركة" بالمعلومات المباشرة في نهر الأفكار الذي كان متاحاً للجميع.
2- مصير الأفكار المقدمة من الأفراد يعتمد على مدى استحقاق الأفكار المتاحة وجدارتها، دون النظر إلى ثروة الفرد المسؤول عنها أو طبقته.
3- تفترض قواعد الخطاب المقبول أن يحكم المشاركين جميعاً اتفاق ضمني على السعي إلى تحقيق موافقة جماعية، وهذا ما يعتبره آل جور هدفاً لـ"حوار الديمقراطية".
وهذه القواعد تعرف بـ"ثورة أميركا الديمقراطية" التي نجحت، لأن مؤسسي الولايات المتحدة أدركوا أن الحكومة الذاتية جيدة التصميم، التي يحميها نظام المساءلة والمحاسبة تعتمد على السمات الخاصة بسوق الأفكار، وبشكل أكثر تحديداً على قدرة الشعب الأميركي على إصدار الأحكام العقلانية المفترضة التي حسب المؤسسون حسابها في تخطيطهم.
الوسيط التلفازي
يقارن جور بين تلك القواعد والأخرى التي صارت تحكم الولايات المتحدة اليوم، حيث أصبحت قنوات التدفق الهائل للمعلومات تسير في اتجاه واحد فقط، خاصة بسبب السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة، وعل رأسها التلفاز الذي جعل من المحال على الأفراد المشاركين فيما يفترض أنه حوار قومي، المشاركة ولو بقدر يسير في هذا الحوار، ويؤكد أن الأفراد أصبحوا يستقبلون ولا يمكنهم الإرسال، ويمتصون ولا يمكنهم المشاركة ويسمعون ولا يمكنهم الكلام ويرون حركة مستمرة، لكن لا يمكنهم تحريك أنفسهم، ويزيد في تأكيده على ذلك المعنى فيقول إن "جماعة المواطنين الواعية" تواجه خطر التحول إلى "جمهور مفروغ منه".
ويلفت جور إلى واحدة من أهم مساوئ الوسيط التلفازي، التي تتنافى مع تقاليد الديمقراطية وتتمثل في ضرورة وجود رأسمال استثماري ضخم لامتلاك محطة تلفازية وتشغيلها، وهو ما أدى إلى تركيز ملكية هذه المحطات في يد عدد محدود من الشركات الكبرى التي تتحكم وبصورة مؤثرة في غالبية أعمال البرمجة التلفازية الأميركية وامتد هذا التحكم إلى البرامج الإخبارية، التي صارت تهتم بتحقيق أهداف تجارية بدلاً من أن تخدم الرأي العام كما هو مفترض.
وأحد الأمثلة الصارخة على الاهتمام بالجانب المادي على حساب الجانب الإخباري الذي يستهدف خدمة وتنوير الرأي العام، ما قامت به شبكة إن بي سي التي خفضت ميزانية قطاع الأخبار كي تحقق أرباحاً واقتطعت 750 مليون دولار، وهذا ما يؤدي إلى التأثير السلبي على العمل الإخباري فتخرج النشرات الإخبارية جوفاء، ويصبح هدفها تحقيق معدلات مشاهدة عالية وبيع إعلانات.
أعداء العقل
ينتقل آل جور إلى الحديث عما يعرف بإعداء العقل، والذين يسعون إلى التأثير عليه بشكل سلبي، محدداً إياهم بالخوف، والتضليل، والثروة، والأكاذيب المحبوكة، والهجوم على الفرد. وبدأ باستعراض ما يمكن وصفه بـ"سياسات الخوف". يقول إن الخوف أقوى أعداء العقل، والتهديد الذي يفرضه الخوف على العقل، يثير إغراء التنازل عن الحرية مقابل وعد خطابي أجوف بالقوة والأمن، وعندما يحل الخوف محل العقل تكون النتيجة دوماً بغضاً وخلافاً يفتقران إلى العقلانية والمنطق.
ويضيف أنه في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين ظهر عنصر جديد في الحوار القومي الأميركي، وهو بروز الخوف الدائم وحدته، فكان هناك دوماً زعماء يرغبون في إثارة قلق الناس بغية تقديم أنفسهم بوصفهم حماة الخائفين وهذا ما يراه آل جور قمة الغوغائية، أن نعد الناس بالأمن مقابل التنازل عن الحرية.
الخوف السلبي
يوجه جور اتهاما خطيرا للخطاب السياسي الحالي في الولايات المتحدة الذي جعل ثلاثة أرباع الأميركيين يصدقون بكل سهولة أن صدام حسين كان مسؤولاً بصفة شخصية عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وجعل عدداً كبيراً من الأميركيين لا يزالون يصدقون أن معظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر كانوا عراقيين.
كما اتهم الأسلوب الذي تتبعه الديمقراطية الأميركية التي جعلت أكثر من 40% من الأميركيين يقتنعون بمنتهى السهولة بأن العراق لديه أسلحة نووية، حتى بعد ما تم الكشف عن زيف أهم دليل، وهو وثائق سرية تصف محاولة نظام صدام حسين شراء خام اليورانيوم من دولة النيجر.
وهنا يؤكد أن الإدارة الأميركية استخدمت الخوف في التعامل مع العملية السياسية، بالقدر الذي أثر سلبياً على تسيير السياسة الأميركية.
تضليل المؤمنين
يعمد آل جور إلى تحليل الكيفية التي يتم بها تضليل المؤمنين كأحد أعداء العقل الرئيسيين، متناولاً العلاقة بين الإيمان والعقل والخوف، قائلاً إن الخوف يزيح العقل والعقل يتحدى الإيمان والإيمان يغلب الخوف، ويرى أنهم جميعاً ملوكاً لكنهم في مملكة واحدة ويمارس كل منهم سيادته وامتيازاته في وقت معين، ومكان معيّن حسبما تفرضه الظروف من قيود وحدود. ويرى جور أن العقل والإيمان يتعايشان داخل العقل البشري بصورة أسهل من تعايش العقل والخوف، وأن الخوف يعطل التوازن السهل بين العقل والإيمان، خاصة الخوف المنطقي الذي لا يبدده العقل بسهولة.
ويخلص إلى أن ذلك النوع من الخوف، يؤدي إلى ظهور التعصب والإيمان الأعميين، اللذين يندفعان لملأ الفراغ الناجم عن إقصاء العقل، وبالتالي ظهور صور جديدة للسلطة أشد استبداداً. ويلفت إلى أنه لسوء الحظ، فإن التعبيرات الحديثة عن القوة تنبع غالباً من آبار غائرة مسمومة وهي آبار المغالاة في القومية والصراعات الدينية. من هنا سعى الرئيس بوش لإخفاء سياسته لحرب غير معللة تحت عباءة الإيمان الديني، بتصوير غزو العراق على أنه المواجهة الأساسية في صراع طويل بين الخير والشر.
ويرى جور أن تلك واحدة من أبرز صور تضليل المؤمنين التي ظهرت في تاريخ الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار يؤكد أن عقيدة الرئيس بوش الرجعية وليس إيمانه الديني هي مصدر جموده المزعج والدافع الذي جعل يسير في طريق الكوارث العديدة التي جلبها للولايات المتحدة.
سياسات الثروة
يتناول جور عدوا آخر من أعداء العقل وهو سياسات الثروة، مفسراً امتناع العامة عن المشاركة بفاعلية في الحوار المجتمعي نظراً لأنهم صاروا متلقين ولم يعودوا مشاركين في تلك الحوار مثلما كان عليه الحال عند مؤسسي الولايات المتحدة الأوائل، هذا الامتناع أتاح للفاسدين من ذوي الثروات صياغة تلك السياسات بدلاً منهم، ويحدد ذلك بقوله إنه عندما يكتفي الناس بالمشاهدة والاستمتاع ولا يكون لهم دور في الحديث تكون الممارسة الديمقراطية برمتها خادعة.
ويوضح أنه ما دام لدى الناخبين قدرة حقيقية حتى الآن على انتخاب زعمائهم، فليس أمام من يرغبون في شراء السلطة بالثروة، سوى أن يفعلوا ذلك جزئياً عن طريق الإنفاق على توسيع حملات العلاقات العامة في محاولة لصياغة آراء الملايين الذين يقضون وقتاً طويلاً في مشاهدة التلفاز.
ويبدو الأمر في بعض الأحيان كما لو أن الحديث الديمقراطي يتم فعلاً، لكنه يتدفق في اتجاه واحد بالأساس، من هؤلاء الذين يجمعون مالاً يكفي لشراء الإعلانات التلفازية، إلى أولئك الذين يشاهدون الإعلانات وليس لديهم من وسائل الاتصال المؤثرة في الاتجاه المعاكس إلا قليل.
القوة الغاشمة
بعد التحليل الذي قام به جور لباقي أعداء العقل والمتمثلين في الأكاذيب المحبوكة، والهجوم على الفرد. عمد إلى تحديد الأضرار الناجمة عن الاستبدال المستمر للقوة الغاشمة والفساد المؤسسي بالعقل والمنطق، وتأثيرها السلبي على أهم مرتكزات السياسة الأميركية، وهي الأمن القوي، الأمن البيئي، أمن الطاقة، وحماية الحريات والارتقاء بالمصلحة العامة، لافتاً إلي أنه في كل حالة من هذه الحالات يمكن إيجاد أكثر السبل فعالية لعلاج هذه الأضرار من خلال فهم أعمق لكيفية حدوث الضرر وأسباب حدوثه.
وفي نهاية الكتاب يحاول آل جور تقديم خريطة طريق لاسترداد صحة الديمقراطية الأميركية وصلاحيتها مقترحاً استراتيجية لإعادة تقديم العقل دوره الصحيح في قلب العملية التشاورية لحكم الذات، لافتاً إلى أنه بقدر ما تتمتع به شبكة الإنترنت من إثارة، فإنها لا تزال تفتقر في الوقت الحاضر إلى الخاصية الوحيدة الأشد فاعلية التي يتمتع بها الوسط التلفازي، لأنها بسبب أسلوب بنائها وتصميمها لا تصلح لأن تكون وسيلة لنقل أفلام الفيديو بالحركة الطبيعية والزمن الحقيقي كما ينقلها التلفاز، ويسعى جور أيضاً إلى بحث هذا العيب المؤقت لشبكة الإنترنت محاولاً استكشاف مواطن القوة العديدة التي تجعلها مصدراً للأمل بالنسبة إلى مستقبل الديمقراطية.
في بداية الكتاب، يعود جور إلى قواعد الديمقراطية وتبادل الأفكار أو ما يعرف بـ "سوق الأفكار" التي اعتمدها المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة، والتي ساعدت على إبراز النموذج الديمقراطي الأمثل الذي أذهل العالم وجعله مبهوراً، حين بدأ يطل على سكان الأرض مع بدايات القرن العشرين.وهذه القواعد يحددها آل جور في:
1- كانت سوق الأفكار مفتوحة لكل فرد دون أي موانع للدخول سوى شرط الإلمام بالقراءة والكتابة، وكان للجميع القدرة على "المشاركة" بالمعلومات المباشرة في نهر الأفكار الذي كان متاحاً للجميع.
2- مصير الأفكار المقدمة من الأفراد يعتمد على مدى استحقاق الأفكار المتاحة وجدارتها، دون النظر إلى ثروة الفرد المسؤول عنها أو طبقته.
3- تفترض قواعد الخطاب المقبول أن يحكم المشاركين جميعاً اتفاق ضمني على السعي إلى تحقيق موافقة جماعية، وهذا ما يعتبره آل جور هدفاً لـ"حوار الديمقراطية".
وهذه القواعد تعرف بـ"ثورة أميركا الديمقراطية" التي نجحت، لأن مؤسسي الولايات المتحدة أدركوا أن الحكومة الذاتية جيدة التصميم، التي يحميها نظام المساءلة والمحاسبة تعتمد على السمات الخاصة بسوق الأفكار، وبشكل أكثر تحديداً على قدرة الشعب الأميركي على إصدار الأحكام العقلانية المفترضة التي حسب المؤسسون حسابها في تخطيطهم.
الوسيط التلفازي
يقارن جور بين تلك القواعد والأخرى التي صارت تحكم الولايات المتحدة اليوم، حيث أصبحت قنوات التدفق الهائل للمعلومات تسير في اتجاه واحد فقط، خاصة بسبب السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة، وعل رأسها التلفاز الذي جعل من المحال على الأفراد المشاركين فيما يفترض أنه حوار قومي، المشاركة ولو بقدر يسير في هذا الحوار، ويؤكد أن الأفراد أصبحوا يستقبلون ولا يمكنهم الإرسال، ويمتصون ولا يمكنهم المشاركة ويسمعون ولا يمكنهم الكلام ويرون حركة مستمرة، لكن لا يمكنهم تحريك أنفسهم، ويزيد في تأكيده على ذلك المعنى فيقول إن "جماعة المواطنين الواعية" تواجه خطر التحول إلى "جمهور مفروغ منه".
ويلفت جور إلى واحدة من أهم مساوئ الوسيط التلفازي، التي تتنافى مع تقاليد الديمقراطية وتتمثل في ضرورة وجود رأسمال استثماري ضخم لامتلاك محطة تلفازية وتشغيلها، وهو ما أدى إلى تركيز ملكية هذه المحطات في يد عدد محدود من الشركات الكبرى التي تتحكم وبصورة مؤثرة في غالبية أعمال البرمجة التلفازية الأميركية وامتد هذا التحكم إلى البرامج الإخبارية، التي صارت تهتم بتحقيق أهداف تجارية بدلاً من أن تخدم الرأي العام كما هو مفترض.
وأحد الأمثلة الصارخة على الاهتمام بالجانب المادي على حساب الجانب الإخباري الذي يستهدف خدمة وتنوير الرأي العام، ما قامت به شبكة إن بي سي التي خفضت ميزانية قطاع الأخبار كي تحقق أرباحاً واقتطعت 750 مليون دولار، وهذا ما يؤدي إلى التأثير السلبي على العمل الإخباري فتخرج النشرات الإخبارية جوفاء، ويصبح هدفها تحقيق معدلات مشاهدة عالية وبيع إعلانات.
أعداء العقل
ينتقل آل جور إلى الحديث عما يعرف بإعداء العقل، والذين يسعون إلى التأثير عليه بشكل سلبي، محدداً إياهم بالخوف، والتضليل، والثروة، والأكاذيب المحبوكة، والهجوم على الفرد. وبدأ باستعراض ما يمكن وصفه بـ"سياسات الخوف". يقول إن الخوف أقوى أعداء العقل، والتهديد الذي يفرضه الخوف على العقل، يثير إغراء التنازل عن الحرية مقابل وعد خطابي أجوف بالقوة والأمن، وعندما يحل الخوف محل العقل تكون النتيجة دوماً بغضاً وخلافاً يفتقران إلى العقلانية والمنطق.
ويضيف أنه في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين ظهر عنصر جديد في الحوار القومي الأميركي، وهو بروز الخوف الدائم وحدته، فكان هناك دوماً زعماء يرغبون في إثارة قلق الناس بغية تقديم أنفسهم بوصفهم حماة الخائفين وهذا ما يراه آل جور قمة الغوغائية، أن نعد الناس بالأمن مقابل التنازل عن الحرية.
الخوف السلبي
يوجه جور اتهاما خطيرا للخطاب السياسي الحالي في الولايات المتحدة الذي جعل ثلاثة أرباع الأميركيين يصدقون بكل سهولة أن صدام حسين كان مسؤولاً بصفة شخصية عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وجعل عدداً كبيراً من الأميركيين لا يزالون يصدقون أن معظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر كانوا عراقيين.
كما اتهم الأسلوب الذي تتبعه الديمقراطية الأميركية التي جعلت أكثر من 40% من الأميركيين يقتنعون بمنتهى السهولة بأن العراق لديه أسلحة نووية، حتى بعد ما تم الكشف عن زيف أهم دليل، وهو وثائق سرية تصف محاولة نظام صدام حسين شراء خام اليورانيوم من دولة النيجر.
وهنا يؤكد أن الإدارة الأميركية استخدمت الخوف في التعامل مع العملية السياسية، بالقدر الذي أثر سلبياً على تسيير السياسة الأميركية.
تضليل المؤمنين
يعمد آل جور إلى تحليل الكيفية التي يتم بها تضليل المؤمنين كأحد أعداء العقل الرئيسيين، متناولاً العلاقة بين الإيمان والعقل والخوف، قائلاً إن الخوف يزيح العقل والعقل يتحدى الإيمان والإيمان يغلب الخوف، ويرى أنهم جميعاً ملوكاً لكنهم في مملكة واحدة ويمارس كل منهم سيادته وامتيازاته في وقت معين، ومكان معيّن حسبما تفرضه الظروف من قيود وحدود. ويرى جور أن العقل والإيمان يتعايشان داخل العقل البشري بصورة أسهل من تعايش العقل والخوف، وأن الخوف يعطل التوازن السهل بين العقل والإيمان، خاصة الخوف المنطقي الذي لا يبدده العقل بسهولة.
ويخلص إلى أن ذلك النوع من الخوف، يؤدي إلى ظهور التعصب والإيمان الأعميين، اللذين يندفعان لملأ الفراغ الناجم عن إقصاء العقل، وبالتالي ظهور صور جديدة للسلطة أشد استبداداً. ويلفت إلى أنه لسوء الحظ، فإن التعبيرات الحديثة عن القوة تنبع غالباً من آبار غائرة مسمومة وهي آبار المغالاة في القومية والصراعات الدينية. من هنا سعى الرئيس بوش لإخفاء سياسته لحرب غير معللة تحت عباءة الإيمان الديني، بتصوير غزو العراق على أنه المواجهة الأساسية في صراع طويل بين الخير والشر.
ويرى جور أن تلك واحدة من أبرز صور تضليل المؤمنين التي ظهرت في تاريخ الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار يؤكد أن عقيدة الرئيس بوش الرجعية وليس إيمانه الديني هي مصدر جموده المزعج والدافع الذي جعل يسير في طريق الكوارث العديدة التي جلبها للولايات المتحدة.
سياسات الثروة
يتناول جور عدوا آخر من أعداء العقل وهو سياسات الثروة، مفسراً امتناع العامة عن المشاركة بفاعلية في الحوار المجتمعي نظراً لأنهم صاروا متلقين ولم يعودوا مشاركين في تلك الحوار مثلما كان عليه الحال عند مؤسسي الولايات المتحدة الأوائل، هذا الامتناع أتاح للفاسدين من ذوي الثروات صياغة تلك السياسات بدلاً منهم، ويحدد ذلك بقوله إنه عندما يكتفي الناس بالمشاهدة والاستمتاع ولا يكون لهم دور في الحديث تكون الممارسة الديمقراطية برمتها خادعة.
ويوضح أنه ما دام لدى الناخبين قدرة حقيقية حتى الآن على انتخاب زعمائهم، فليس أمام من يرغبون في شراء السلطة بالثروة، سوى أن يفعلوا ذلك جزئياً عن طريق الإنفاق على توسيع حملات العلاقات العامة في محاولة لصياغة آراء الملايين الذين يقضون وقتاً طويلاً في مشاهدة التلفاز.
ويبدو الأمر في بعض الأحيان كما لو أن الحديث الديمقراطي يتم فعلاً، لكنه يتدفق في اتجاه واحد بالأساس، من هؤلاء الذين يجمعون مالاً يكفي لشراء الإعلانات التلفازية، إلى أولئك الذين يشاهدون الإعلانات وليس لديهم من وسائل الاتصال المؤثرة في الاتجاه المعاكس إلا قليل.
القوة الغاشمة
بعد التحليل الذي قام به جور لباقي أعداء العقل والمتمثلين في الأكاذيب المحبوكة، والهجوم على الفرد. عمد إلى تحديد الأضرار الناجمة عن الاستبدال المستمر للقوة الغاشمة والفساد المؤسسي بالعقل والمنطق، وتأثيرها السلبي على أهم مرتكزات السياسة الأميركية، وهي الأمن القوي، الأمن البيئي، أمن الطاقة، وحماية الحريات والارتقاء بالمصلحة العامة، لافتاً إلي أنه في كل حالة من هذه الحالات يمكن إيجاد أكثر السبل فعالية لعلاج هذه الأضرار من خلال فهم أعمق لكيفية حدوث الضرر وأسباب حدوثه.
وفي نهاية الكتاب يحاول آل جور تقديم خريطة طريق لاسترداد صحة الديمقراطية الأميركية وصلاحيتها مقترحاً استراتيجية لإعادة تقديم العقل دوره الصحيح في قلب العملية التشاورية لحكم الذات، لافتاً إلى أنه بقدر ما تتمتع به شبكة الإنترنت من إثارة، فإنها لا تزال تفتقر في الوقت الحاضر إلى الخاصية الوحيدة الأشد فاعلية التي يتمتع بها الوسط التلفازي، لأنها بسبب أسلوب بنائها وتصميمها لا تصلح لأن تكون وسيلة لنقل أفلام الفيديو بالحركة الطبيعية والزمن الحقيقي كما ينقلها التلفاز، ويسعى جور أيضاً إلى بحث هذا العيب المؤقت لشبكة الإنترنت محاولاً استكشاف مواطن القوة العديدة التي تجعلها مصدراً للأمل بالنسبة إلى مستقبل الديمقراطية.
"مصر الثّورة "، كتاب يعرض فيه الكاتب "محمد أبو بطة"، أوضاع مصر بدءاً من ثورة الخامس والعشرين من يناير، مستعرضاً شتّى المراحل الّتي مرّت بها الدّولة المصريّة، مدقّقاَ في تفاصيل الأحداث بمنتهى الموضوعيّة والرّصانة الفكريّة ومنتقداً بشكل لاذع كيفيّة تعامل المصريّين مع الأوضاع الرّاهنة إن على مستوى الحكّام والمسؤولين وكيفيّة إدارتهم للأزمة في الوطن وإن على مستوى الشّعب المصري وكيفيّة استيعابه لخطورة الظّروف الرّاهنة.
لا يرمي الكاتب من خلال هذا الكتاب تحليلاً سياسيّاً وحسب وإنّما يريد به تقويم السّلوك الإنسانيّ الفكري والمعرفي، من خلال إيقاظ الحسّ التّحليليّ لدى المواطن بهدف مراقبة الأحداث، فينمّي فيه الوعي السّياسيّ والتّحليليّ لتجنّب نتائج كارثيّة قد تأتي بها الصّراعات والنّزاعات الحاصلة في السّاحة المصريّة، سواء أكانت صراعات طائفيّة أم سياسيّة.
يتدرّج الكاتب في تحليله منطلقاً من أزمة ما قبل الانتخابات المصريّة الّتي أثارت الكثير من البلبلة عقب إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن ترشيح مرشّحاً للإخوان للمنصب الرّئاسي. ويقرأ الكاتب الواقع المتازّم بموضوعيّة متميّزة ثم يعرض الوقائع بتفاصيلها ويحلّلها بدقّة، فينقل فكر كلّ التّيارات والأحزاب، حتّى الهواجس الشّعبيّة وذلك بعرض الرّأي والرّأي المضاد مناقشاً كلّ الثّغرات السّياسيّة الّتي حضّرت للأزمة المصريّة والّتي ساهمت باشتعال الأزمة لاحقاً. كما يشدّد الكاتب على دور الإعلام الأساسيّ والمحوريّ في الأزمة ويحمّل المسؤوليّة لجميع القوى الثّوريّة في ما تدفعه مصر اليوم من ثمن باهظ إذ يقول: "لا بد أن أسجل أنّ جميع القوى الثّورية أخطأت خطأً تاريخياً يوم غادرت الميادين فور تنحّي رأس النّظام السّابق! فقد أسقط الشّعب الرّئيس ولم يسقط النّظام! هذه الحقيقة التّاريخية وهذا الخطأ التّاريخي يدفع الشّعب المصري ومن ثمّ مصرنا الحبيبة ثمنه حتّى الآن!"
ينطلق الكاتب في تحليله من الأحداث التّاريخيّة ليسقطها على الأزمة الحاليّة فيكوّن رؤية واضحة تبرّر نتيجة ما يحصل في مصر اليوم إن على الصّعيد السّياسيّ أو الاقتصدي أو الاجتماعيّ. ويبيّن مدى تورّط الأحزاب في البحث عن مصالح شخصيّة وفرديّة لا ترقى إلى مستوى مصلحة البلاد، والدّخول في زواريب السّياسة المقيتة الّتي تحقّق مصلحة السياسات العالميّة والّتي لا يهمّها مصلحة الدّولة المصريّة. ويخلص إلى تبيان التباسات الحالة الانتخابيّة من ناحية قلّة الوعي الانتخابي بما يتضمّنه من نقص في التّدريب على العمليّة الانتخابيّة، ومن ناحية تأثير الإعلام من خلال برامجه السّياسيّة الّتي ترمي إلى تحليلات ومناقشات أقلّ ما يقال فيها وهميّة واستباقيّة، ومن ناحية التّطلّع إلى شخص الرّئيس المنتخب وإلى الجماعة أو الحزب الّذي ينتمي إليه دونما الاهتمام بمصلحة الوطن والتّضافر والتّعاون في القيام به من جديد.
يمكننا تقسيم الكتاب إلى ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: أزمة مصر ما قبل الانتخابات حتّى فوز مرشّح جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحريّة والعدالة بمنصب رئاسة الجمهوريّة وغالبيّة المقاعد النّيابيّة في مجلس الشّعب المصري.
- المرحلة الثّانية: الإخوان المسلمون وكيفيّة إدارة الحكم، والتّأثيرات الخارجيّة على الإعلام المصري والصّراع القائم في السّاحة المصريّة.
- المرحلة الثّالثة: إعلان سقوط الرّئيس المصري د. محمد مرسي والبديل الأسوء، عودة حكم العسكر.
من هنا يمكننا القول أن الكاتب بنى تحليله ثم صياغة النّصوص على مراحل أربعة معتمداً المعايير التّالية:
1- المنهج التّحليلي:
يمنهج الكاتب تحليله المستخدم في معالجة الواقع، انطلاقاً من أحداث سابقة موظّفاً إيّاها في الأحداث الآنيّة فنرى تدرّجاً تطوّريّاً محدّداً يصل من خلاله إلى واقع الحقائق السّياسيّة. ولا شكّ أن الكاتب يرى جذور الأزمة في النّظام السّابق الّذي مهّد إلى حدوث أزمة ما بعد الثّورة، إذ إنّ الفساد الّذي تملّك الدوّلة والمسؤولين فيها سبّب خللاً كارثيّاً في البنية الأساسيّة للدّولة، اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً. ممّا أدّى إلى استحكام في أركان الدّولة ويبيّن بذلك أنّ النّظام ما زال قائماً رغم سقوط رأس النّظام، ويحاول بشتّى الوسائل استعادة حضوره القويّ على السّاحة المصريّة مفتعلاً غالبيّة الأحداث الّتي أدّت إلى تدهور الحالة المصريّة.
ولا يزال الكاتب يتعمّق في ثغرات الأزمة الحاليّة أي ما بعد الانتخابات، ويظهر للقارئ ضلوع جماعة الإخوان المسلمين فيها إذ إنّهم وهم يعلنون أنّ هدفهم الدّائم هو الدّعوة، إلّا أنّهم يبتغون الوصول إلى السّلطة. ومن يتأمّل نشاطهم السّياسي المتناقض والّذي يبرّرونه بحركيّة السّياسة، يفهم أنّ هدفهم السّلطة. "وعندما نتأمل موقف الإخوان المسلمين بهدوء سنقرأ العجب ونكتشف العجب! فهم يتلوّنون مع كلّ موقف ويبرّرون كلّ قرار حتّى لو كان القرار الأوّل عكس القرار الثّاني تماماً! وعندما تسألهم يجيبونك بكلّ بساطة أنّ السّياسة عالم الحركة وليست عالم الجمود! ويبرّرون أنّ من يتمسّك بالسّكون والجمود سيجد نفسه خارج الميدان (بالطبع خارج ميدان السياسة!). إذن فهدفهم الأسمى ليس الدّعوة بل السّلطة والحكم!... ويشير الكاتب أنّ حلّ الأزمة يكمن في فصل الجماعة عن الحزب السّياسي وليس دمج الاثنين في إدارة السّلطة، إذ إنّ من أراد الدّعوة عليه تطليق السّلطة والعكس صحيح، فرجل الدّعوة يختلف عن رجل السياسة. فإن احترف الأوّل السياسة سيجد نفسه في مأزق خطير، وإن احترف الثّاني الدّعوة فلن يجد مريدين كثيرين له لأنّهم سيشكّكون في نواياه. " فهل يفعلها الإخوان بمنتهي الشفافية أم أنهم سيكتبون نهايتهم العملية بأيديهم في عصر الشفافية الذي نعيشه وسنعيشه إن شاء الله؟!." والجدير بالذّكر أنّ جماعة الإخوان المسلمين عاشت ما يقارب السّتين عاماً جماعة محظورة النّشاط، كما عانت المطاردة والسّجن والاعتقالات والإعدام بلا محاكمات ردحاً من الزمن... " وما إن قامت الثّورة حتّى سارعت الجماعة المحظورة للخروج إلى النّور وافتتاح مقرّات رسميّة لها مع رفع شعارها عليها ثمّ أعلنت عن تأسيس حزب سياسي لتمارس الجماعة السّياسة من أوسع أبوابها وبطريقة مشروعة وقانونيّة !." وما لبثت الجماعة بعد معركة شرسة وفوز مرشّح الحزب والجماعة بمنصب رئاسة الجمهوريّة، أن تصرّفت باستعلاء تجاه من انضمّوا إلى حزب الحرّيّة والعدالة فالولاء في الأساس للجماعة وليس للحزب، " فتمّت إعادة تشكيل القيادات على المستويات العليا والوسطى والدّنيا ليكتشف أعضاء الحزب من خارج الجماعة أنّهم خارج تلك التّغييرات والتّشكيلات على جميع المستويات!". وستعزّز هذه الإخفاقات لاحقاً، كما يشير الكاتب، إلى المزيد من الخوف من سيطرة التّيّار الإسلامي. هذا الخوف الّذي يتأرجح بين المنطق والمبالغة، في حين يشهد الإسلام اليوم حرباً شرسة وقاسية إعلاميّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً. ولا شكّ في أنّ هذا الخوف قد يكون غير مبرّر أحياناً إلّا أنّه في مكان تساهم السّياسات والحركات المتطرّفة في المزيد من تشويه صورة الإسلام وكأنّي بها حركات مأجورة تلعب دوراً أساسيّاً في هذه الحرب.
ولا يغيب عن الحقائق السّياسيّة من وجهة نظر الكاتب تعمّد السّياسات العالميّة كالسّياسة الإسرائيليّة والأميريكيّة الاستفادة من الأزمة المصريّة بل تعزيز الصّراعات في الداخل المصري. إنّ ضعف الدّولة المصريّة يحصّن الداخل الإسرائيليّ ويحافظ على قوّة إسرائيل، خاصّة وأنّ الدّول المجاورة لها كالعراق وسوريا تشهد صراعات داخليّة عنيفة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى كلّما ضعف جهاز الدّولة وبنيته الاقتصاديّة ستُغرق الدّولة الأميريكيّة مصر بمزيد من الدّعم المالي حتّى تنال ما تخطّط من أجله. وبالتّالي يصبح القرار المصريّ تحت رحمة القرار الأميركي، ما يسميه الكاتب احتلالاً. بالمقابل لا ينفي الكاتب ميلاد معارضة حقيقيّة أنتجها الإعلان الدّستوريّ، إن جاز التّعبير، فشهدت مصر معارضة حقيقيّة، ( جبهة الإنقاذ الوطني)، إلّا أنّها فقدت بريقها ومؤيّديها عندما استمرّت في غيّها ورفضها الحوار الوطني مع الرّئيس والحكومة، بعد أن جاء الاستفتاء في ديسمبر ليعلن أنّ للشعب المصري وللعالم أجمع أنّ الشّعب المصري يؤيّد الرّئيس مرسي.
إنّ التّحليل الّذي رمى إليه الكاتب بدءأ من أزمة ما قبل الانتخابات مروراً بأزمة الحكم وانتهاء بإعلان سقوط الرّئيس مرسي، يعود إلى حسن عرضه للحقائق بشفافيّة ودون انحياز لفريق أو لآخر، معتمداً التّحليل المنطقي والموضوعيّ غير متأثّر بالعواطف الشّخصيّة. " فالإنسـان الّذي تتحكّم بـه العواطف لا يرى إلّا جانبا ًواحداّ من المـــوقف". (سبينوزا).
2- المعلومات المستخدمة:
استخدم الكاتب معلومات واقعيّة، منطلقاً من أرض الواقع حتّى بلوغ غايته المرجوّة وهي إظهار الحقائق وفق تحليل سياسيّ ناضج لا يهدف إلى تعزيز الصّراعات، ولا يقصد إشعال الفتن السّياسيّة والطّائفيّة، وإنّما إلى كسر الضّبابيّة المحيطة بالجوّ العام المصري وتبيان الحقائق، لعلّ هذا التّحليل يعيد التحام الشعب الواحد بعد أن انقسم بين معارض وموال حتّى وصل به الأمر إلى الاصطدام في ما بينه. كما يريد الكاتب من هذه الحقائق، تبديد الخوف المسيطر على البعض أو الأغلبيّة من الفكر الإسلامي الّذي بحسب رأيه، يحسن أن يأخذ فرصته، بعد أن اختبر الشّعب المصري السّياسة الدّيكتاتوريّة وسياسة الانفتاح والسّياسة الرّأسماليّة الفاحشة. ويميّز الكاتب بين الفكر الإسلامي والحكم الدّيني الّذي يدعو إليه البعض بهدف السّلطة، ويؤكّد أنّ الإسلام ليس بحاجة لجماعة الإخوان المسلمين، إذ يقول: " إن الإسلام أكبر من أي جماعة مهما كانت! فقد كمل الإسلام في حياة الهادي البشير محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولم تعد هناك حاجة لظهور دعوة جديدة بمرشد جديد إلّا إذا كان هذا المرشد يريد أن يدلّنا إلى دين جديد بأتباع جدد!.". ويزيد قائلاً: " إنّ الإسلام ونبيّ الإسلام علّم النّاس التّفكير والتّدريب على القيادة لا التّدريب على الانقياد بلا تفكير!.
كما أنّ كلّ المعطيات والمعلومات الّتي استند إليها الكاتب ليست رأياً شخصيّاً وإنّما حقائق يعرفها الجميع إلّا أنّ الاختلاف عليها اختلاف نظريّ. من هنا يتدبّر الكاتب في جعل هذه الحقائق وهذه المعلومات قاعدة أساسيّة يحرّك من خلالها فكر المواطن فيرى الأمور جليّة ويبقى له إمّا أن يقتنع برؤية الكاتب المستقبليّة وإمّا أن يناقشها.
3- قدرة الأفكار المتولِّدة في القبض المعرفي على الوقائع الماضية، أو الوقائع الرّاهنة:
ونعني بهذا قدرة الكاتب على تفصيل الحقائق وقدرته على تبيان الإيجابيّات والسّلبيّات والغوص في التّفاصيل، وتفكيك مضمونها ثمّ نقدها لبلوغ هدفه الأسمى الّذي هو كسر مفهوم الإنحياز الأعمى لطرف أو لآخر واعتبار المصلحة العليا للوطن فقط، أيّاً كان توجّه الأفراد أو التّيّارات الحزبيّة والسّياسيّة. فعندما يكون الهدف مصلحة الوطن ينبغي التّنازل عن بعض التّشبّث والتّطرّف بالآراء حتّى ننهض بالوطن بدل أن تتحوّل أعظم ثورة عرفها التّاريخ الحديث، على حدّ قول الكاتب، ونعني بها الثّورة المصريّة، إلى معقل للوطن فيسقط هو بدل أن يسقط النّظام.
في نصّ بعنوان "الشّعب يريد إسقاط الوطن"، يحمّل الكاتب مسؤوليّة الشّرذمة الوطنيّة لكلّ الشّعب المصري على حدّ سواء، بدءاً من الرّئيس المصري د. محمد مرسي، مروراً بجماعة الإخوان المسلمين، والتّيّار السلفي الجهادي، وجبهة الإنقاذ، ووزارة الدّاخليّة، والإعلام، ورجال النّظام السّابق، والموظّفون وصولاً إلى الشّعب. ويحمّل بذلك كلّ منهم مسؤوليّة إسقاط الوطن من خلال إخفاقات كان يمكن تفاديها لو أنّ مصلحة الوطن كانت الأولى. ولا يخفي الكاتب خيبته بما وصلت إليه الحالة المصريّة، إذ يقول: " يشترك الجميع في إسقاط الوطن ولن أجافي الحقيقة إذا قلت أن العالم أجمع بلا استثناء يريد إسقاط مصر الثورة! ولكن ما يدمي القلب ويملأ القلوب حسرة أنّ أبناء الوطن أنفسهم يريدون أيضاّ إسقاط مصر... فالعالم الغربي كلّه بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكية يريد إسقاط مصر الثّورة خاصّة بعد وصول مرسي لسدّة الحكم خشية نجاح المشروع الإسلامي فتحذو جميع الدول الإسلامية حذوه فتضيع المصالح الغربية للأبد!. والعالم العربي أيضاّ يريد إسقاط مصر الثّورة وأيضاّ بعد وصول مرسي لرئاسة الجمهورية لأنه سيشجع التيارات الإسلامية على تكرار التجربة المصرية – حال نجاحها – في كل البلاد العربية وهو ما لا يريده حكام تلك الدول ملوكاّ كانوا أم رؤساء جمهوريات!. والعالم الغربي والعربي لا يمثّل شيئاّ بدون الشّعب المصري نفسه لذا استدرجوا الشّعب المصري كلّه بلا استثناء ليساعدهم في إسقاط مصر!."
4- القدرة، من خلال تحقيق ما سبق، على التّنبؤ بالوقائع القادمة:
بناء على ما سبق من عرض للوقائع وتحليلها والتّعمّق بها، يعرض الكاتب رؤيته المستقبليّة في البديل الأسوء، ( عودة حكم العسكر ). ويبني رؤيته أوّلاً على حالة الفوضى الّتي تشوب الدّاخل المصري في غياب مريب للأمن الدّاخلي، ثانيّاً على المشاكل المفتعلة والّتي ستفتعل، ثالثاً الانحدار السّياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليكون الحلّ الوحيد للأزمة بل الحلّ الأسوء، هو عودة حكم العسكر عن طريق انقلاب عسكري، وليس عن طريق عودة المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة (وإعلان السيسي - نفسه - رئيساً للجمهوريًة حتًى إجراء انتخابات برلمانيًة جديدة ). وينبّه الكاتب ويشدّد على خطورة هذا الحلّ الّذي قد يكون هو البديل الوحيد، ويرسم ملامح المستقبل الأسود، وليس أفضل منه في التّعبير عن هذا المستقبل الأليم في قوله: " لو حدث هذا البديل – لا قدّر الله- سيتمّ القبض على كلّ النّخبة السّياسيّة الحاليّة حكومة ومعارضة! سيتمّ إعلان الأحكام العرفيّة من أوّل لحظة لآخر نفس في حياة السّيسي! سيعود القهر والإرهاب والذلّ! لن يعترض أحد ولن يخرج الشّباب مرّة ثانية ولن تقوم لنا قائمة ولن تكون لنا قيمة بل سنكون أسوأ الشّعوب قاطبة! لن يرحّب بنا أحد ولن نرى النّور ثانية!. "
في كتاب لعلّه الأفضل بين الكتب السّياسيّة، وبنظرة واقعيّة وموضوعيّة واتّزان فكريّ وعاطفيّ، وحرّيّة رأي وتعبير تدرك مدى مسؤوليّة الكلمة، وتأثيرها على المتلقّي، ساهم الكاتب المصري القدير " محمد أبو بطّة " بتأريخ مرحلة من تاريخ مصر، موجّهاً القارئ العربي بشكل عام والقارئ المصري بشكل خاص إلى أهمّيّة تقييم الأمور وتحليلها والنّظر إليها من زوايا مختلفة حتّى يصل إلى نتيجة واحدة، ألا وهي النّهوض بمصر. ولا يحصر الكاتب معنى مصر في كونها دولة عربيّة قويّة وحسب، إنّما يتطلّع إلى مصر أمّ الدّنيا، الحضارة الحاضنة لكلّ الشّعوب على مختلف أديانهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم. مصر الّتي نظم فيها شاعر النّيل حافظ ابراهيم قصيدة طويلة، نجتزئ منها هذين البيتين للدلالة على مصر الحضارة والتاريخ والقوة:
وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً
كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي
وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَه
رِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي
المصدر: موقع المثقف
المقالة لـــ مادونا عسكر
لا يرمي الكاتب من خلال هذا الكتاب تحليلاً سياسيّاً وحسب وإنّما يريد به تقويم السّلوك الإنسانيّ الفكري والمعرفي، من خلال إيقاظ الحسّ التّحليليّ لدى المواطن بهدف مراقبة الأحداث، فينمّي فيه الوعي السّياسيّ والتّحليليّ لتجنّب نتائج كارثيّة قد تأتي بها الصّراعات والنّزاعات الحاصلة في السّاحة المصريّة، سواء أكانت صراعات طائفيّة أم سياسيّة.
يتدرّج الكاتب في تحليله منطلقاً من أزمة ما قبل الانتخابات المصريّة الّتي أثارت الكثير من البلبلة عقب إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن ترشيح مرشّحاً للإخوان للمنصب الرّئاسي. ويقرأ الكاتب الواقع المتازّم بموضوعيّة متميّزة ثم يعرض الوقائع بتفاصيلها ويحلّلها بدقّة، فينقل فكر كلّ التّيارات والأحزاب، حتّى الهواجس الشّعبيّة وذلك بعرض الرّأي والرّأي المضاد مناقشاً كلّ الثّغرات السّياسيّة الّتي حضّرت للأزمة المصريّة والّتي ساهمت باشتعال الأزمة لاحقاً. كما يشدّد الكاتب على دور الإعلام الأساسيّ والمحوريّ في الأزمة ويحمّل المسؤوليّة لجميع القوى الثّوريّة في ما تدفعه مصر اليوم من ثمن باهظ إذ يقول: "لا بد أن أسجل أنّ جميع القوى الثّورية أخطأت خطأً تاريخياً يوم غادرت الميادين فور تنحّي رأس النّظام السّابق! فقد أسقط الشّعب الرّئيس ولم يسقط النّظام! هذه الحقيقة التّاريخية وهذا الخطأ التّاريخي يدفع الشّعب المصري ومن ثمّ مصرنا الحبيبة ثمنه حتّى الآن!"
ينطلق الكاتب في تحليله من الأحداث التّاريخيّة ليسقطها على الأزمة الحاليّة فيكوّن رؤية واضحة تبرّر نتيجة ما يحصل في مصر اليوم إن على الصّعيد السّياسيّ أو الاقتصدي أو الاجتماعيّ. ويبيّن مدى تورّط الأحزاب في البحث عن مصالح شخصيّة وفرديّة لا ترقى إلى مستوى مصلحة البلاد، والدّخول في زواريب السّياسة المقيتة الّتي تحقّق مصلحة السياسات العالميّة والّتي لا يهمّها مصلحة الدّولة المصريّة. ويخلص إلى تبيان التباسات الحالة الانتخابيّة من ناحية قلّة الوعي الانتخابي بما يتضمّنه من نقص في التّدريب على العمليّة الانتخابيّة، ومن ناحية تأثير الإعلام من خلال برامجه السّياسيّة الّتي ترمي إلى تحليلات ومناقشات أقلّ ما يقال فيها وهميّة واستباقيّة، ومن ناحية التّطلّع إلى شخص الرّئيس المنتخب وإلى الجماعة أو الحزب الّذي ينتمي إليه دونما الاهتمام بمصلحة الوطن والتّضافر والتّعاون في القيام به من جديد.
يمكننا تقسيم الكتاب إلى ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: أزمة مصر ما قبل الانتخابات حتّى فوز مرشّح جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحريّة والعدالة بمنصب رئاسة الجمهوريّة وغالبيّة المقاعد النّيابيّة في مجلس الشّعب المصري.
- المرحلة الثّانية: الإخوان المسلمون وكيفيّة إدارة الحكم، والتّأثيرات الخارجيّة على الإعلام المصري والصّراع القائم في السّاحة المصريّة.
- المرحلة الثّالثة: إعلان سقوط الرّئيس المصري د. محمد مرسي والبديل الأسوء، عودة حكم العسكر.
من هنا يمكننا القول أن الكاتب بنى تحليله ثم صياغة النّصوص على مراحل أربعة معتمداً المعايير التّالية:
1- المنهج التّحليلي:
يمنهج الكاتب تحليله المستخدم في معالجة الواقع، انطلاقاً من أحداث سابقة موظّفاً إيّاها في الأحداث الآنيّة فنرى تدرّجاً تطوّريّاً محدّداً يصل من خلاله إلى واقع الحقائق السّياسيّة. ولا شكّ أن الكاتب يرى جذور الأزمة في النّظام السّابق الّذي مهّد إلى حدوث أزمة ما بعد الثّورة، إذ إنّ الفساد الّذي تملّك الدوّلة والمسؤولين فيها سبّب خللاً كارثيّاً في البنية الأساسيّة للدّولة، اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً. ممّا أدّى إلى استحكام في أركان الدّولة ويبيّن بذلك أنّ النّظام ما زال قائماً رغم سقوط رأس النّظام، ويحاول بشتّى الوسائل استعادة حضوره القويّ على السّاحة المصريّة مفتعلاً غالبيّة الأحداث الّتي أدّت إلى تدهور الحالة المصريّة.
ولا يزال الكاتب يتعمّق في ثغرات الأزمة الحاليّة أي ما بعد الانتخابات، ويظهر للقارئ ضلوع جماعة الإخوان المسلمين فيها إذ إنّهم وهم يعلنون أنّ هدفهم الدّائم هو الدّعوة، إلّا أنّهم يبتغون الوصول إلى السّلطة. ومن يتأمّل نشاطهم السّياسي المتناقض والّذي يبرّرونه بحركيّة السّياسة، يفهم أنّ هدفهم السّلطة. "وعندما نتأمل موقف الإخوان المسلمين بهدوء سنقرأ العجب ونكتشف العجب! فهم يتلوّنون مع كلّ موقف ويبرّرون كلّ قرار حتّى لو كان القرار الأوّل عكس القرار الثّاني تماماً! وعندما تسألهم يجيبونك بكلّ بساطة أنّ السّياسة عالم الحركة وليست عالم الجمود! ويبرّرون أنّ من يتمسّك بالسّكون والجمود سيجد نفسه خارج الميدان (بالطبع خارج ميدان السياسة!). إذن فهدفهم الأسمى ليس الدّعوة بل السّلطة والحكم!... ويشير الكاتب أنّ حلّ الأزمة يكمن في فصل الجماعة عن الحزب السّياسي وليس دمج الاثنين في إدارة السّلطة، إذ إنّ من أراد الدّعوة عليه تطليق السّلطة والعكس صحيح، فرجل الدّعوة يختلف عن رجل السياسة. فإن احترف الأوّل السياسة سيجد نفسه في مأزق خطير، وإن احترف الثّاني الدّعوة فلن يجد مريدين كثيرين له لأنّهم سيشكّكون في نواياه. " فهل يفعلها الإخوان بمنتهي الشفافية أم أنهم سيكتبون نهايتهم العملية بأيديهم في عصر الشفافية الذي نعيشه وسنعيشه إن شاء الله؟!." والجدير بالذّكر أنّ جماعة الإخوان المسلمين عاشت ما يقارب السّتين عاماً جماعة محظورة النّشاط، كما عانت المطاردة والسّجن والاعتقالات والإعدام بلا محاكمات ردحاً من الزمن... " وما إن قامت الثّورة حتّى سارعت الجماعة المحظورة للخروج إلى النّور وافتتاح مقرّات رسميّة لها مع رفع شعارها عليها ثمّ أعلنت عن تأسيس حزب سياسي لتمارس الجماعة السّياسة من أوسع أبوابها وبطريقة مشروعة وقانونيّة !." وما لبثت الجماعة بعد معركة شرسة وفوز مرشّح الحزب والجماعة بمنصب رئاسة الجمهوريّة، أن تصرّفت باستعلاء تجاه من انضمّوا إلى حزب الحرّيّة والعدالة فالولاء في الأساس للجماعة وليس للحزب، " فتمّت إعادة تشكيل القيادات على المستويات العليا والوسطى والدّنيا ليكتشف أعضاء الحزب من خارج الجماعة أنّهم خارج تلك التّغييرات والتّشكيلات على جميع المستويات!". وستعزّز هذه الإخفاقات لاحقاً، كما يشير الكاتب، إلى المزيد من الخوف من سيطرة التّيّار الإسلامي. هذا الخوف الّذي يتأرجح بين المنطق والمبالغة، في حين يشهد الإسلام اليوم حرباً شرسة وقاسية إعلاميّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً. ولا شكّ في أنّ هذا الخوف قد يكون غير مبرّر أحياناً إلّا أنّه في مكان تساهم السّياسات والحركات المتطرّفة في المزيد من تشويه صورة الإسلام وكأنّي بها حركات مأجورة تلعب دوراً أساسيّاً في هذه الحرب.
ولا يغيب عن الحقائق السّياسيّة من وجهة نظر الكاتب تعمّد السّياسات العالميّة كالسّياسة الإسرائيليّة والأميريكيّة الاستفادة من الأزمة المصريّة بل تعزيز الصّراعات في الداخل المصري. إنّ ضعف الدّولة المصريّة يحصّن الداخل الإسرائيليّ ويحافظ على قوّة إسرائيل، خاصّة وأنّ الدّول المجاورة لها كالعراق وسوريا تشهد صراعات داخليّة عنيفة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى كلّما ضعف جهاز الدّولة وبنيته الاقتصاديّة ستُغرق الدّولة الأميريكيّة مصر بمزيد من الدّعم المالي حتّى تنال ما تخطّط من أجله. وبالتّالي يصبح القرار المصريّ تحت رحمة القرار الأميركي، ما يسميه الكاتب احتلالاً. بالمقابل لا ينفي الكاتب ميلاد معارضة حقيقيّة أنتجها الإعلان الدّستوريّ، إن جاز التّعبير، فشهدت مصر معارضة حقيقيّة، ( جبهة الإنقاذ الوطني)، إلّا أنّها فقدت بريقها ومؤيّديها عندما استمرّت في غيّها ورفضها الحوار الوطني مع الرّئيس والحكومة، بعد أن جاء الاستفتاء في ديسمبر ليعلن أنّ للشعب المصري وللعالم أجمع أنّ الشّعب المصري يؤيّد الرّئيس مرسي.
إنّ التّحليل الّذي رمى إليه الكاتب بدءأ من أزمة ما قبل الانتخابات مروراً بأزمة الحكم وانتهاء بإعلان سقوط الرّئيس مرسي، يعود إلى حسن عرضه للحقائق بشفافيّة ودون انحياز لفريق أو لآخر، معتمداً التّحليل المنطقي والموضوعيّ غير متأثّر بالعواطف الشّخصيّة. " فالإنسـان الّذي تتحكّم بـه العواطف لا يرى إلّا جانبا ًواحداّ من المـــوقف". (سبينوزا).
2- المعلومات المستخدمة:
استخدم الكاتب معلومات واقعيّة، منطلقاً من أرض الواقع حتّى بلوغ غايته المرجوّة وهي إظهار الحقائق وفق تحليل سياسيّ ناضج لا يهدف إلى تعزيز الصّراعات، ولا يقصد إشعال الفتن السّياسيّة والطّائفيّة، وإنّما إلى كسر الضّبابيّة المحيطة بالجوّ العام المصري وتبيان الحقائق، لعلّ هذا التّحليل يعيد التحام الشعب الواحد بعد أن انقسم بين معارض وموال حتّى وصل به الأمر إلى الاصطدام في ما بينه. كما يريد الكاتب من هذه الحقائق، تبديد الخوف المسيطر على البعض أو الأغلبيّة من الفكر الإسلامي الّذي بحسب رأيه، يحسن أن يأخذ فرصته، بعد أن اختبر الشّعب المصري السّياسة الدّيكتاتوريّة وسياسة الانفتاح والسّياسة الرّأسماليّة الفاحشة. ويميّز الكاتب بين الفكر الإسلامي والحكم الدّيني الّذي يدعو إليه البعض بهدف السّلطة، ويؤكّد أنّ الإسلام ليس بحاجة لجماعة الإخوان المسلمين، إذ يقول: " إن الإسلام أكبر من أي جماعة مهما كانت! فقد كمل الإسلام في حياة الهادي البشير محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولم تعد هناك حاجة لظهور دعوة جديدة بمرشد جديد إلّا إذا كان هذا المرشد يريد أن يدلّنا إلى دين جديد بأتباع جدد!.". ويزيد قائلاً: " إنّ الإسلام ونبيّ الإسلام علّم النّاس التّفكير والتّدريب على القيادة لا التّدريب على الانقياد بلا تفكير!.
كما أنّ كلّ المعطيات والمعلومات الّتي استند إليها الكاتب ليست رأياً شخصيّاً وإنّما حقائق يعرفها الجميع إلّا أنّ الاختلاف عليها اختلاف نظريّ. من هنا يتدبّر الكاتب في جعل هذه الحقائق وهذه المعلومات قاعدة أساسيّة يحرّك من خلالها فكر المواطن فيرى الأمور جليّة ويبقى له إمّا أن يقتنع برؤية الكاتب المستقبليّة وإمّا أن يناقشها.
3- قدرة الأفكار المتولِّدة في القبض المعرفي على الوقائع الماضية، أو الوقائع الرّاهنة:
ونعني بهذا قدرة الكاتب على تفصيل الحقائق وقدرته على تبيان الإيجابيّات والسّلبيّات والغوص في التّفاصيل، وتفكيك مضمونها ثمّ نقدها لبلوغ هدفه الأسمى الّذي هو كسر مفهوم الإنحياز الأعمى لطرف أو لآخر واعتبار المصلحة العليا للوطن فقط، أيّاً كان توجّه الأفراد أو التّيّارات الحزبيّة والسّياسيّة. فعندما يكون الهدف مصلحة الوطن ينبغي التّنازل عن بعض التّشبّث والتّطرّف بالآراء حتّى ننهض بالوطن بدل أن تتحوّل أعظم ثورة عرفها التّاريخ الحديث، على حدّ قول الكاتب، ونعني بها الثّورة المصريّة، إلى معقل للوطن فيسقط هو بدل أن يسقط النّظام.
في نصّ بعنوان "الشّعب يريد إسقاط الوطن"، يحمّل الكاتب مسؤوليّة الشّرذمة الوطنيّة لكلّ الشّعب المصري على حدّ سواء، بدءاً من الرّئيس المصري د. محمد مرسي، مروراً بجماعة الإخوان المسلمين، والتّيّار السلفي الجهادي، وجبهة الإنقاذ، ووزارة الدّاخليّة، والإعلام، ورجال النّظام السّابق، والموظّفون وصولاً إلى الشّعب. ويحمّل بذلك كلّ منهم مسؤوليّة إسقاط الوطن من خلال إخفاقات كان يمكن تفاديها لو أنّ مصلحة الوطن كانت الأولى. ولا يخفي الكاتب خيبته بما وصلت إليه الحالة المصريّة، إذ يقول: " يشترك الجميع في إسقاط الوطن ولن أجافي الحقيقة إذا قلت أن العالم أجمع بلا استثناء يريد إسقاط مصر الثورة! ولكن ما يدمي القلب ويملأ القلوب حسرة أنّ أبناء الوطن أنفسهم يريدون أيضاّ إسقاط مصر... فالعالم الغربي كلّه بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكية يريد إسقاط مصر الثّورة خاصّة بعد وصول مرسي لسدّة الحكم خشية نجاح المشروع الإسلامي فتحذو جميع الدول الإسلامية حذوه فتضيع المصالح الغربية للأبد!. والعالم العربي أيضاّ يريد إسقاط مصر الثّورة وأيضاّ بعد وصول مرسي لرئاسة الجمهورية لأنه سيشجع التيارات الإسلامية على تكرار التجربة المصرية – حال نجاحها – في كل البلاد العربية وهو ما لا يريده حكام تلك الدول ملوكاّ كانوا أم رؤساء جمهوريات!. والعالم الغربي والعربي لا يمثّل شيئاّ بدون الشّعب المصري نفسه لذا استدرجوا الشّعب المصري كلّه بلا استثناء ليساعدهم في إسقاط مصر!."
4- القدرة، من خلال تحقيق ما سبق، على التّنبؤ بالوقائع القادمة:
بناء على ما سبق من عرض للوقائع وتحليلها والتّعمّق بها، يعرض الكاتب رؤيته المستقبليّة في البديل الأسوء، ( عودة حكم العسكر ). ويبني رؤيته أوّلاً على حالة الفوضى الّتي تشوب الدّاخل المصري في غياب مريب للأمن الدّاخلي، ثانيّاً على المشاكل المفتعلة والّتي ستفتعل، ثالثاً الانحدار السّياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليكون الحلّ الوحيد للأزمة بل الحلّ الأسوء، هو عودة حكم العسكر عن طريق انقلاب عسكري، وليس عن طريق عودة المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة (وإعلان السيسي - نفسه - رئيساً للجمهوريًة حتًى إجراء انتخابات برلمانيًة جديدة ). وينبّه الكاتب ويشدّد على خطورة هذا الحلّ الّذي قد يكون هو البديل الوحيد، ويرسم ملامح المستقبل الأسود، وليس أفضل منه في التّعبير عن هذا المستقبل الأليم في قوله: " لو حدث هذا البديل – لا قدّر الله- سيتمّ القبض على كلّ النّخبة السّياسيّة الحاليّة حكومة ومعارضة! سيتمّ إعلان الأحكام العرفيّة من أوّل لحظة لآخر نفس في حياة السّيسي! سيعود القهر والإرهاب والذلّ! لن يعترض أحد ولن يخرج الشّباب مرّة ثانية ولن تقوم لنا قائمة ولن تكون لنا قيمة بل سنكون أسوأ الشّعوب قاطبة! لن يرحّب بنا أحد ولن نرى النّور ثانية!. "
في كتاب لعلّه الأفضل بين الكتب السّياسيّة، وبنظرة واقعيّة وموضوعيّة واتّزان فكريّ وعاطفيّ، وحرّيّة رأي وتعبير تدرك مدى مسؤوليّة الكلمة، وتأثيرها على المتلقّي، ساهم الكاتب المصري القدير " محمد أبو بطّة " بتأريخ مرحلة من تاريخ مصر، موجّهاً القارئ العربي بشكل عام والقارئ المصري بشكل خاص إلى أهمّيّة تقييم الأمور وتحليلها والنّظر إليها من زوايا مختلفة حتّى يصل إلى نتيجة واحدة، ألا وهي النّهوض بمصر. ولا يحصر الكاتب معنى مصر في كونها دولة عربيّة قويّة وحسب، إنّما يتطلّع إلى مصر أمّ الدّنيا، الحضارة الحاضنة لكلّ الشّعوب على مختلف أديانهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم. مصر الّتي نظم فيها شاعر النّيل حافظ ابراهيم قصيدة طويلة، نجتزئ منها هذين البيتين للدلالة على مصر الحضارة والتاريخ والقوة:
وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً
كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي
وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَه
رِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي
المصدر: موقع المثقف
المقالة لـــ مادونا عسكر






